عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
422
اللباب في علوم الكتاب
« أو » المقتضية لأحد الشيئين ، فلا . وقال الأخفش : الضمير عائد إلى الأخير كقوله : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [ النساء : 112 ] وقيل : يعود إلى « ما » في قوله : « وَما أَنْفَقْتُمْ » لأنها اسم كقوله : وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [ البقرة : 231 ] ، ولا حاجة إلى هذا أيضا ؛ لما عرفت من حكم « أو » . قوله : « فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ » أفاد : الوعد العظيم للمطيعين ، والوعيد الشديد للمتمردين ، لأنه يعلم ما في قلب المتصدق من الإخلاص فيتقبل منه تلك الطاعة ؛ كما قال : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] ، وقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . قوله : « وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ » اعلم أنّ الظالم قسمان : الأول : من ظلم نفسه وهو يشتمل على كل المعاصي . الثاني : من ظلم غيره بأن لا ينفق أو لا يصرف الإنفاق عن المستحق إلى غيره ، أو ينفق على المستحقّ رياء وسمعة ، أو يفسدها بالمعاصي وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظّلم على الغير ، بل من باب الظلم على النّفس . فصل في دحض شبهة للمعتزلة في إنكار الشفاعة تمسّك المعتزلة بهذه الآية ، في نفي الشّفاعة عن أهل الكبائر ، قالوا : لأنّ ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه ، فلو اندفعت العقوبة عنهم بالشفاعة ، لكان أولئك الشفعاء أنصارا لهم ، وذلك يضاد الآية . وأجيبوا بوجوه : الأول : أن الشفييع لا يسمّى في العرف ناصرا ، بدليل قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 123 ] ففرّق تعالى بين الشفيع ، والناصر ؛ فلا يلزم من نفي الناصر نفي الشفيع . الثاني : أن الشفيع إنما يشفع عن المشفوع عنده على سبيل استعطافه ، والناصر ينصره عليه ، والفرق ظاهر . وأجاب آخرون : بأنه ليس لمجموع الظالمين من أنصار . فإن قيل : لفظ « الظّالمين » ، ولفظ « الأنصار » جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع ، توزع الفرد على الفرد ، فكان المعنى : ليس لأحد من الظالمين ، أحد من الأنصار . قلنا لا نسلّم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد ؛ لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد . الوجه الثالث : أن هذا الدليل النافي للشفاعة عامّ في حقّ الكلّ في الأشخاص ،