عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
412
اللباب في علوم الكتاب
فنقول : إنّ اللّه تعالى ندبهم إلى التقرّب إليه بأفضل ما يملكونه ، كمن يتقرب إلى السّلطان بتحفة ، وهدية ، فلا بدّ وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه ، فكذا - ها هنا - . قوله : « وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ » هذه الجملة فيها قولان : أحدهما : أنها مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، وإليه ذهب أبو البقاء « 1 » . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال ، ويظهر هذا ظهورا قويا عند من يرى أن الكلام قد تمّ عند قوله : « وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » وما بعده استئناف ، كما تقدّم . والهاء في « بآخذيه » تعود على « الخبيث » وفيها ، وفي نحوها من الضمائر المتصل باسم الفاعل ؛ قولان مشهوران : أحدهما : أنها في محلّ جر ، وإن كان محلّها منصوبا ؛ لأنها مفعول في المعنى . والثاني : - وهو رأي الأخفش - أنها في محلّ نصب ، وإنما حذف التنوين ، والنون في نحو : « ضاربيك » للطافة الضمير ، ومذهب هشام أنه يجوز ثبوت التنوين مع الضمير ، فيجيز : « هذا ضاربنك » بثبوت التنوين ، وقد يستدلّ لمذهبه بقوله : [ الطويل ] 1227 - هم الفاعلون الخير والآمرونه . . « 2 » وقوله الآخر : [ الطويل ] 1228 - ولم يرتفق والنّاس محتضرونه * . . . « 3 » فقد جمع بين النون النائبة عن التنوين ، وبين الضمير . قوله : « إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا » الأصل : إلّا بأن ، فحذف حرف الجرّ مع « أن » فيجيء فيها القولان : أهي في محلّ جرّ ، أم نصب ؟ وهذه الباء تتعلّق بقوله : « بآخذيه » . وأجاز أبو البقاء « 4 » - رحمه اللّه - أن تكون « أن » وما في حيّزها في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها « آخذيه » . والمعنى : لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض ، وقد تقدّم أنّ سيبويه « 5 » - رحمه اللّه - لا يجيز أن تقع « أن » ، وما في حيّزها موقع الحال . وقال
--> - 96 ) ، ( 7 / 7 ، 8 ) وابن خزيمة ( 2275 ، 2346 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 3 / 357 ) . ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 114 . ( 2 ) تقدم برقم ( 775 ) . ( 3 ) صدر بيت وعجزه : جميعا وأيدي المعتفين رواهقه ينظر : خزانة الأدب 4 / 266 ، 271 ، شرح المفصل 2 / 125 ، والكتاب 1 / 188 ، والمقرب 1 / 125 ، الكامل 317 ، والدر المصون 1 / 646 . ( 4 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 114 . ( 5 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 195 .