عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
411
اللباب في علوم الكتاب
ابن مسعود ، ومجاهد ، والسدّي : الطيب هو الحلال ، وعلى هذا ، فالخبيث هو الحرام . حجة الأول ما ذكرنا في سبب النزول ، ولأن المحرم لا يجوز أخذه ؛ لا بإغماض ولا غيره ، والآية تدلّ على جواز أخذه بالإغماض . قال القفّال « 1 » - رحمه اللّه - : ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإغماض : المسامحة ، وترك الاستقصاء ، فيكون المعنى : ولستم بآخذيه ، وأنتم تعلمون أنه محرّم ؛ إلّا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ، ولا تبالون من أيّ وجه أخذتم المال أمن حلال ، أم حرام . واحتجّوا - أيضا - بقوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] وذلك يؤكد أنّ المراد بالطيب هو النّفيس الذي يستطاب تملكه ، لا الخسيس الذي يرفضه كل أحد واحتجّ القاضي « 2 » للقول الثاني : بأنّا أجمعنا على أن الطيّب في هذه الآية ؛ إمّا الجيد ؛ وإما الحلال ، فإذا بطل الأول ، تعيّن الثاني . وإنما قلنا : بطل الأول ؛ لأن المراد لو كان هو الجيد ، لكان ذلك أمرا بإنفاق مطلق الجيّد سواء كان حلالا أو حراما ، وذلك غير جائز ، والتزام التخصيص خلاف الأصل ؛ فتعين الحلال . قال ابن الخطيب « 3 » : ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث ، وهو : أن المراد من « الطّيّب » - هاهنا - ما يكون طيّبا من كلّ الوجوه ، فيكون طيّبا بمعنى : الحلال ، ويكون طيّبا بمعنى : الجودة ، وليس لقائل أن يقول إنّ حمل اللفظ المشترك على مفهوميه ، لا يجوز ؛ لأنا نقول : الحلال إنما يسمى طيّبا ؛ لأنه يستطيبه العقل ، والدّين ، والجيد : إنما يسمّى طيبا ؛ لأنه يستطيبه الميل ، والشهوة . فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين ، فكان اللفظ محمولا عليه . إذا ثبت أنّ المراد منه الجيد الحلال ؛ فنقول : الأموال الزكاتيّة إما أن تكون كلّها شريفة ، أو كلها خسيسة ، أو تكون متوسطة أو مختلطة ، فإن كان الكل شريفا ، كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك ، وإن كان الكل خسيسا ، كانت الزكاة كذلك ، أيضا ، ولا يكون ذلك خلافا للآية ؛ لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيسا من ذلك المال بل إذا كان في المال جيد ورديء ، فحينئذ يقال للإنسان : لا تجعل الزكاة من رديء مالك ، وأمّا إن كان المال مختلطا ، فالواجب هو الوسط ، قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : « إيّاك وكرائم أموالهم » « 4 » وأما إن قلنا : المراد صدقة التطوع أو كلاهما ،
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 54 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 55 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 3 / 418 ) كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء ( 1496 ) ومسلم ( 1 / 50 ) كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ( 19 ) وأبو داود ( 1584 ) والنسائي ( 1 / 348 ) والترمذي ( 1 / 122 ) وابن ماجة ( 1783 ) والدارمي ( 1 / 379 ) وابن أبي شيبة ( 4 / 5 ) والبيهقي ( 4 /