عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

407

اللباب في علوم الكتاب

« من نخيل وأعناب » وإنما خصهما بالذكر ؛ لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها منظرا حيث تكون باقية على الأشجار ، ووصف تلك الجنّة بأن الأنهار تجري من تحتها ، وذلك زيادة في الحسن ، وأنّ فيها من كلّ الثمرات ، وهذا سبب لكمال حال هذه الجنّة من الرؤية ، والمنظر ، وكثرة النّفع ، والرّيع ، ولا يمكن الزيادة على ذلك ، فإذا كبر أو ضعف وصار له أولاد ضعاف ، أي : بسبب الصّغر ، والطفوليّة ، فإنه إذا صار كبيرا ؛ عجز عن الاكتساب ، وكثرت جهات حاجاته في مطعمه ، وملبسه ، ومسكنه ، ومن يقوم بخدمته ، وتحصيل مصالحه ، فإذا تزايدت حاجاته ، وتناقصت جهات مكسبه ، أصاب جنّته إعصار فيه نار فاحترقت ، وهو أحوج ما يكون إليها ، وضعف عن إصلاحها ؛ لكبره ، وضعف أولاده عن إصلاحها ؛ لصغرهم ، فلم يجد هو ما يعود به على أولاده ، ولا أولاده ما يعودون به عليه ، فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم ، كذلك يبطل اللّه عمل هذا المنافق ، والمرائي حيث لا مغيث لهما ، ولا توبة ، ولا إقالة ، ونظير هذه الآية الكريمة وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] وقوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر الانفاق على قسمين ، وبين كل قسم وضرب له مثلا ، ذكر في هذه الآية كيفية الإنفاق . قوله تعالى : « أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ » : في مفعول « أنفقوا » قولان : أحدهما : أنه المجرور ب « من » ، و « من » للتبعيض ، أي : أنفقوا بعض ما رزقناكم . والثاني : أنه محذوف قامت صفته مقامه ، أي : شيئا ممّا رزقناكم ، وتقدّم له نظائر . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، والعائد محذوف ؛ لاستكمال الشروط ، أي : كسبتموه ، وأن تكون مصدرية أي : من طيّبات كسبكم ، وحينئذ لا بدّ من تأويل هذا المصدر باسم المفعول ، أي : مكسوبكم ، ولهذا كان الوجه الأول أولى . و « مِمَّا أَخْرَجْنا » عطف على المجرور ب « من » بإعادة الجار ، لأحد معنيين : إمّا التأكيد ، وإمّا للدلالة على عامل آخر مقدر ، أي : وأنفقوا ممّا أخرجنا . ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : ومن طيبات ما أخرجنا . و « لكم » متعلّق ب « أخرجنا » ، واللام للتعليل . و « من الأرض » متعلّق ب « أخرجنا » ، و « من » لابتداء الغاية . قوله : « وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » الجمهور على « تيمّموا » ، والأصل : تتيمموا بتاءين ، فحذفت إحداهما تخفيفا : إمّا الأولى ، وإمّا الثانية ، وقد تقدّم تحريره عند قوله : تُظْهِرُونَ [ البقرة : 85 ] .