عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
408
اللباب في علوم الكتاب
وقرأ « 1 » البزّيّ هنا وفي مواضع أخر بتشديد التاء ، على أنه أدغم التاء الأولى في الثانية ، وجاز ذلك هنا وفي نظائره ؛ لأنّ الساكن الأول حرف لين ، وهذا بخلاف قراءته ناراً تَلَظَّى [ الليل : 14 ] إِذْ تَلَقَّوْنَهُ [ النور : 15 ] فإنه فيه جمع بين ساكنين ، والأول حرف صحيح ، وفيه كلام لأهل العربية ، يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى . قال أبو علي « 2 » : هذا الإدغام غير جائز ؛ لأنّ المدغم يسكّن ، وإذا سكّن ، وجب أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به كما جلبت في أمثلة الماضي ، نحو فَادَّارَأْتُمْ [ البقرة : 72 ] و ارْتَبْتُمْ [ المائدة : 106 ] و اطَّيَّرْنا [ النمل : 47 ] . لكن أجمعوا على أنّ همزة الوصل لا تدخل على المضارع . وقرأ ابن عباس « 3 » ، والزّهريّ « تيمّموا » بضم التاء ، وكسر الميم الأولى ، وماضيه : يمّم ، فوزن « تيمّموا » على هذه القراءة : تفعّلوا من غير حذف ، وروي عن عبد اللّه « 4 » « تؤمّموا » من أمّمت ، أي : قصدت . والتيمم : القصد ، يقال : أمّ ك « ردّ » ، وأمّم ك « أخّر » ، ويمّم ، وتيمّم بالتاء ، والياء معا ، وتأمّم بالتاء والهمزة . وكلّها بمعنى قصد . وفرّق الخليل - رحمه اللّه - بينها بفروق لطيفة ، فقال : « أمّمته أي قصدت أمامه ، ويمّمته : قصدته من أيّ جهة كان » . والخبيث والطيب : صفتان غالبتان ، لا يذكر موصوفهما ؛ قال تعالى : وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ [ النور : 26 ] ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من الخبث ، والخبائث » « 5 » . قوله : « منه تنفقون » « منه » متعلّق بتنفقون ، وتنفقون فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها في محلّ نصب على الحال من الفاعل في « تيمّموا » أي : لا تقصدوا الخبيث منفقين منه ، قالوا : وهي حال مقدّرة ، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه ، قاله أبو البقاء « 6 » وغيره .
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 362 ، والبحر المحيط 2 / 330 ، والدر المصون 1 / 645 ، وشرح شعلة 297 - 298 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 55 . ( 3 ) وقرأ بها مسلم بن جندب . انظر : المحرر الوجيز 1 / 362 ، والبحر المحيط 2 / 331 ، والدر المصون 1 / 645 . ( 4 ) انظر : السابق . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 1 / 79 ) كتاب الوضوء باب ما يقال عند الخلاء ( 142 ) ، ( 8 / 128 ) كتاب الدعوات باب الدعاء عند الخلاء رقم ( 6322 ) ومسلم ( 1 / 195 ) وأبو داود ( 1 / 2 ) والنسائي ( 1 / 9 ) والترمذي 1 / 10 ) وابن ماجة ( 1 / 128 ) وأحمد ( 3 / 99 ، 101 ، 282 ) . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . ( 6 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 114 .