عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

397

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أنّه حال ، و « تثبيتا » عطف عليه بالاعتبارين ، أي : لأجل الابتغاء والتّثبيت ، أو مبتغين متثبّتين . ومنع ابن عطيّة أن يكون « ابتغاء » مفعولا من أجله ، قال : « لأنّه عطف عليه تثبيتا ، وتثبيتا لا يصحّ أن يكون مفعولا من أجله ، [ لأنّ الإنفاق لا يكون لأجل التّثبيت » . وحكى عن مكي « 1 » كونه مفعولا من أجله ] قال : « وهو مردود بما بيّنّاه » . وهذا الّذي ردّه لا بدّ فيه من تفصيل ، وذلك أنّ قوله تبارك وتعالى : « وتثبيتا » إمّا أن يجعل مصدرا متعدّيا ، أو قاصرا ، فإن كان قاصرا ، أو متعدّيا ، وقدّرنا المفعول هكذا : « وتثبيتا من أنفسهم الثّواب على تلك النّفقة » ، فيكون تثبيت الثّواب وتحصيله من اللّه حاملا لهم على النّفقة ، وحينئذ يصحّ أن يكون « تثبيتا » مفعولا من أجله . وإن قدّرنا المفعول غير ذلك ، أي : وتثبيتا من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية ، أو جعلنا « من أنفسهم » هو المفعول في المعنى ، وأنّ « من » بمعنى اللام ، أي : لأنفسهم ، كما تقول : « فعلته كسرا من شهوتي » فلا يتضح فيه أن يكون مفعولا لأجله . وأبو البقاء « 2 » قد قدّر المفعول المحذوف « أعمالهم بإخلاص النية » ، وجوّز أيضا أن يكون « من أنفسهم » مفعولا ، وأن تكون « من » بمعنى اللام ، وقد كان قدّم أولا أنه يجوز فيهما المفعول من أجله ، والحالية ؛ وهو غير واضح كما تقدّم . وتلخّص أنّ في « من أنفسهم » قولين : أحدهما : أنه مفعول بالتجوّز في الحرف . والثاني : أنه صفة ل « تثبيتا » ، فهو متعلّق بمحذوف ، وتلخّص أيضا أن التثبيت يجوز أن يكون متعدّيا ، وكيف يقدّر مفعوله ، وأن يكون قاصرا . فإن قيل : « تثبيت » مصدر ثبّت ؛ وثبّت متعدّ ، فكيف يكون مصدره لازما ؟ فالجواب : أنّ التثبيت مصدر تثبّت ، فهو واقع موقع التثبّت ، والمصادر تنوب عن بعضها ؛ قال تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [ المزمل : 8 ] والأصل : « تبتّلا » ويؤيّد ذلك قراءة مجاهد « 3 » « وتثبّتا » ، وإلى هذا نحا أبو البقاء « 4 » . قال أبو حيان : « وردّ هذا القول ؛ بأنّ ذلك لا يكون إلا مع الإفصاح بالفعل المتقدّم على المصدر ، نحو الآية ، وأمّا أن يؤتى بالمصدر من غير نيابة على فعل مذكور ، فلا يحمل على غير فعله الذي هو له في الأصل » ، ثم قال : « والذي نقول : إنّ ثبت - يعني

--> ( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 112 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 113 . ( 3 ) انظر : البحر المحيط 2 / 323 ، والدر المصون 1 / 639 . ( 4 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 113 .