عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
390
اللباب في علوم الكتاب
وإنما جمع الضّمير حملا على المعنى ، لأنّ المراد بالذي الجنس ، فلذلك جاز الحمل على لفظه مرّة في قوله : « ماله » و « لا يؤمن » ، « فمثله » وعلى معناه أخرى . وصار هذا نظير قوله : « كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً » ثم قال : بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ [ البقرة : 17 ] ، وقد تقدّم . وزعم ابن عطيّة أنّ مهيع كلام العرب الحمل على اللّفظ أولا ، ثم المعنى ثانيا ، وأنّ العكس قبيح ، وتقدّم الكلام معه في ذلك . وقيل : الضّمير في « يقدرون » عائد على المخاطبين بقوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ » ويكون من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وفيه بعد . وقيل : يعود على ما يفهم من السّياق ، أي : لا يقدر المانّون ، ولا المؤذون على شيء من نفع صدقاتهم . وسمّى الصّدقة كسبا . قال أبو البقاء « 1 » : « ولا يجوز أن يكون « لا يقدرون » حالا من « الّذي » ؛ لأنه قد فصل بينهما بقوله : « فمثله » وما بعده » . ولا يلزم ذلك ؛ لأنّ هذا الفصل فيه تأكيد ، وهو كالاعتراض » . فصل [ في أن تبارك وتعالى أكّد النّهي عن إبطال الصّدقة بالمنّ ، والأذى ، وأزالكلّ شبهة للمرجئة ] قال القاضي : إنه تبارك وتعالى أكّد النّهي عن إبطال الصّدقة بالمنّ ، والأذى ، وأزال كلّ شبهة للمرجئة ، وبيّن أنّ المنّ والأذى يبطلان الصّدقة ، ومعلوم أنّ الصّدقة قد وقعت ، فلا يصحّ أن تبطل ، فالمراد إبطال أجرها ، لأنّ الأجر لم يحصل بعد ، وهو مستقبل ، فيصحّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى . واعلم أنّه تعالى ضرب لكيفية إبطال الصّدقة بالمنّ والأذى مثلين ، فمثله أوّلا : بمن ينفق ماله رئاء النّاس ، وهو مع ذلك لا يؤمن باللّه ، واليوم الآخر ؛ لأنّ بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر ، أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ ، والأذى . ثم مثّله ثانيا : ب « الصّفوان » الذي وقع عليه تراب ، وغبار ، ثم أصابه المطر القويّ ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتّى يصير كأنه لم يكن عليه غبار أصلا ، فالكافر كالصّفوان ، والتّراب مثل ذلك الإنفاق ، والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر ، وكالمنّ والأذى اللّذين يحبطان عمل هذا المنفق . قال : فكما أنّ الوابل أزال التّراب الذي وقع على الصّفوان ، فكذلك المنّ والأذى ، وجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في القول بالإحباط . قال الجبّائيّ « 2 » : وكما دلّ هذا النّص على صحّة قولنا فالعقل دلّ عليه أيضا ؛ لأن
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 112 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 44 .