عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

391

اللباب في علوم الكتاب

من أطاع ، فلو استحقّ ثواب طاعته ، وعقاب معصيته لوجب أن يستحقّ النّقيضين « 1 » ؛ لأنّ شرط الثّواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة فلو لم تقع المحابطة ، لحصل استحقاق النّقيضين وذلك محال ، ولأنّه حين يعاقبه ، فقد منعه الإثابة ، ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث إنّه حقّه ، وأن يكون ظلما من حيث إنّه منع الإثابة ، فيكون ظالما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه ؛ وذلك محال ، فصحّ بهذا النّصّ ودلالة العقل صحّة قولنا في الإحباط والتّكفير . وأجيبوا بأنه ليس المراد بقوله « لا تُبْطِلُوا » النّهي عن إزالة هذا الثّواب بعد ثبوته ، بل المراد به ألّا يأتي بهذا العمل باطلا ؛ لأنّه إذا قصد به غير وجه اللّه تعالى ، فقد أتى به من الابتداء موصوفا بالبطلان . قال ابن الخطيب « 2 » : ويدلّ على بطلان قول المعتزلة وجوه : أولها : أنّ الباقي والطّارئ إن لم يكن بينهما منافاة ، لم يلزم من طريان الطّارئ زوال الباقي ، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن زوال الباقي أولى من اندفاع الطّارئ ، بل ربّما كان اندفاع الطّارئ أولى ؛ لأن الدفع أسهل من الرفع « 3 » . وثانيها : أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي ، وهو محال ؛ لأنّ الماضي قد انقضى ، ولم يبق في الحال ، وإعدام المعدوم محال ، وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضا محال ؛ لأنّ الموجود في الحال ، لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال ، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال ، لأنّ الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال ، وإعدام ما لم يوجد بعد محال . وثالثها : أنّ شرط طريان الطّارئ ، زوال الباقي ، فلو جعلنا زوال النافي معلّلا بطريان الطّارئ ، لزم الدّور ، وهو محال . ورابعها : أنّ الطّارئ إذا طرأ وأعدم الثّواب السّابق ، فالثّواب السّابق إمّا أن يعدم

--> ( 1 ) في ب : النقيضان . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 44 . ( 3 ) وهذه قاعدة من قواعد الشرع ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر ص 138 وقال : ولهذا الماء المستعمل ، إذا بلغ قلتين ، في عوده طهورا وجهان . ولو استعمل القلتين ابتداء ، لم يصر مستعملا ، بلا خلاف . والفرق أن الكثرة في الابتداء دافعة ، وفي الأثناء رافعة ؛ والدفع أقوى من الرفع . ومن ذلك : للزوج منع زوجته من حج الفرض ، ولو شرعت فيه بغير إذنه ؛ ففي جواز تحليلها قولان . ووجود الماء قبل الصلاة للمتيمم ، يمنع الدخول فيها ، وفي أثنائها لا يبطلها ؛ حيث تسقط به . واختلاف الدين - المانع من النكاح - يدفعه ابتداء ، ولا يرفعه في الأثناء ، بل يوقف على انقضاء العدة . والفسق : يمنع انعقاد الإمامة ابتداء ، ولو عرض في الأثناء ، لم ينعزل .