عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
374
اللباب في علوم الكتاب
واحتجّ الجمهور بوجوه : الأول : أنّ المفسرين قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه ذبح تلك الطيور ، وقطّعها أجزاء ، فيكون إنكار ذلك إنكارا للإجماع . الثاني : أنّ ما ذكره غير مختصّ بإبراهيم ؛ فلا يكون له فيه مزية على الغير . الثالث : أن إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - إنما أراد أن يريه اللّه كيف يحيي الموتى ، وظاهر الآية ، يدلّ على أنه أجيب إلى ذلك ، وعلى قول أبي مسلم لم تحصل الإجابة في الحقيقة . الرابع : أنّ قوله « ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً » يدلّ على أنّ تلك الطيور جعلت أجزاء . قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه : إنّه أضاف الجزء إلى الأربعة ، فيجب أن يكون المراد بالجزء ، هو الواحد من تلك الأربعة . وأجيب « 1 » بأنّ ما ذكرتم ، وإن كان محتملا إلّا أنّ ما ذكرناه أظهر ، والتقدير : فاجعل على كل جبل من كلّ واحد منهن جزءا أو بعضا . قوله : « ثُمَّ اجْعَلْ » « جعل » يحتمل أن يكون بمعنى الإلقاء ، فيتعدّى لواحد ، وهو « جزءا » ، فعلى هذا يتعلّق « على كلّ » و « منهنّ » ب « اجعل » ، وأن يكون بمعنى « صيّر » ، فيتعدّى لاثنين ، فيكون « جزءا » الأول ، و « على كلّ » هو الثاني ، فيتعلّق بمحذوف . و « منهنّ » يجوز أن يتعلّق على هذا بمحذوف على أنّه حال من « جزءا » ، لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلمّا قدّم عليها ، نصب حالا . وأجاز أبو البقاء « 2 » أن يكون مفعولا ل « اجعل » يعني : إذا كانت « اجعل » بمعنى « صيّر » ، فيكون « جزءا » مفعولا أول ، و « منهنّ » مفعولا ثانيا قدّم على الأول ، ويتعلّق حينئذ بمحذوف . [ ولا بد من حذف صفة مخصّصة بعد ] قوله : « كلّ جبل » تقديره : « على كلّ جبل بحضرتك ، أو يليك » حتى يصحّ المعنى . وقرأ الجمهور : « جزءا » بسكون الزاي والهمز ، وأبو بكر ضمّ الزاي « 3 » ، وأبو جعفر شدّد الزاي ، من غير همز ؛ ووجهها : أنّه لمّا حذف الهمزة ، وقف على الزاي ، ثم ضعّفها ، كما قالوا : « هذا فرجّ » ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف . وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله : هُزُواً [ البقرة : 67 ] . وفيه لغة أخرى وهي : كسر الجيم .
--> ( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 7 / 38 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 111 . ( 3 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 355 ، والبحر المحيط 2 / 331 ، والدر المصون 1 / 132 ، وإتحاف 1 / 451 ، وحجة القراءات 145 .