عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
375
اللباب في علوم الكتاب
قال أبو البقاء « 1 » : « ولا أعلم أحدا قرأ بها » . والجزء : القطعة من الشيء ، وأصل المادّة يدلّ على القطع ، والتفرق ، ومنه : التجزئة والأجزاء . فصل في المعنيّ بالجبل في الآية ظاهر قوله « عَلى كُلِّ جَبَلٍ » جميع جبال الدنيا ، فذهب مجاهد ، والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان ، كأنه قيل : فرقها على كلّ جبل يمكنك التفرقة عليه . وقال ابن عبّاس ، والحسن ، وقتادة ، والربيع : أمر أن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ، ويجعلها على أربعة أجبل ، على كل جبل ربعا من كل طائر . وقيل : على حسب الجهات الأربع : أعني المشرق ، والمغرب ، والشمال ، والجنوب « 2 » . وقال السديّ ، وابن جريج : سبعة من الجبال ؛ لأنّ المراد على كل جبل يشاهده إبراهيم حتى يصح منه دعاء الطائر ، وكانت الجبال التي يشاهدها - عليه الصّلاة والسّلام - سبعة « 3 » . قوله : « يأتينك » جواب الأمر ، فهو في محلّ جزم ، ولكنه بني لاتصاله بنون الإناث . قوله : « سعيا » فيه أوجه : أحدها : أنه مصدر واقع موقع الحال من ضمير الطير ، أي : يأتينك ساعيات ، أو ذوات سعي . والثاني : أن يكون حالا من المخاطب ، ونقل عن الخليل ما يقوّي هذا ، فإنه روي عنه : « أن المعنى : يأتينك وأنت تسعى سعيا » فعلى هذا يكون « سعيا » منصوبا على المصدر ، وذلك الناصب لهذا المصدر في محلّ نصب على الحال من الكاف في « يأتينك » . قال شهاب الدين : والذي حمل الخليل - رحمه اللّه - على هذا التقدير ؛ أنه لا يقال عنده : « سعى الطائر » فلذلك جعل السّعي من صفات الخليل - عليه السلام - لا من صفة الطيور . الثالث : أن يكون « سعيا » منصوبا على نوع المصدر ؛ لأنه نوع من الإتيان ، إذ هو إتيان بسرعة ، فكأنه قيل : يأتينك إتيانا سريعا . وقال أبو البقاء « 4 » : « ويجوز أن يكون مصدرا مؤكّدا ؛ لأنّ السعي ، والإتيان يتقاربان » ، وهذا فيه نظر ؛ لأن المصدر المؤكّد لا يزيد معناه على معنى عامله ، إلّا أنه تساهل في العبارة .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 111 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 505 - 506 ) عن ابن عباس وقتادة والحسن والربيع . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 508 ) عن السدي . ( 4 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 111 .