عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

362

اللباب في علوم الكتاب

على كل شيء قدير ، فحذف الأوّل ؛ لدلالة الثاني عليه ، كما في قولهم : « ضربني ، وضربت زيدا » فجعله من باب التنازع وجعله من إعمال الثاني ، وهو المختار عند البصريين ، فلمّا أعمل الثاني ، أضمر في الأول فاعلا ، ولا يجوز أن يكون من إعمال الأول ؛ لأنه كان يلزم الإضمار في الثاني بضمير المفعول ، فكأنه قال : فلمّا تبيّن له ، قال أعلمه أن اللّه . ومثله في إعمال الثاني : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [ الكهف : 96 ] هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] لما ذكرت . إلّا أنّ أبا حيّان ردّ عليه بأنّ شرط الإعمال على ما نصّ عليه النحويون اشتراك العاملين ، وأدنى ذلك بحرف العطف - حتى لا يكون الفصل معتبرا - أو يكون العامل الثاني معمولا للأول ، نحو : « جاءني يضحك زيد » فإنّ « يضحك » حال عاملها « جاءني » فيجعل في : « جاءني » ، أو في : « يضحك » ضميرا ؛ حتّى لا يكون الفعل فاصلا ، ولا يرد على هذا جعلهم « آتوني أفرغ عليه قطرا » يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ النساء : 176 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : 5 ] و هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] من باب الإعمال ؛ لأنّ هذه العوامل مشتركة بوجه ما من وجوه الاشتراك ، ولم يحصر الاشتراك في العطف ولا العمل ، فإذا كان على ما نصّوا ، فليس العامل الثاني مشتركا مع الأول بحرف العطف ، ولا بغيره ، ولا هو معمول للأول ؛ بل هو معمول لقال ، و « قال » جواب « لمّا » إن قلنا : إنّها حرف ، وعاملة في « لمّا » إن قلنا : إنها ظرف ، و « تبيّن » على هذا القول مخفوض بالظرف ، ولم يذكر النحاة التنازع في نحو : « لو جاء قتلت زيدا » ، ولا « لمّا جاء ضربت زيدا » ، ولا « حين جاء قتلت زيدا » ، ولا « إذا جاء قتلت زيدا » ، ولذلك حكى النحاة أنّ العرب لا تقول : « أكرمت أهنت زيدا » - يعني لعدم الاشتراك بين العاملين - وقد ناقض قوله ؛ حيث جعل الفاعل محذوفا ، كما تقدّم في عبارته ، والحذف ينافي الإضمار ، فإن كان أراد بالإضمار في قوله : « وفاعل تبيّن مضمر » الحذف فهو قول الكسائيّ ؛ لأنه لا يجيز إضمار المرفوع قبل الذكر فيدّعي فيه الحذف ، وينشد : [ الطويل ] 1207 - تعفّق بالأرطى لها وأرادها * رجال فبذّت نبلهم وكليب « 1 » ولهذا تأويل مذكور ؛ وردّ عليه بالسماع قال القائل : [ البسيط ] 1208 - هوينني وهويت الخرّد العربا * أزمان كنت منوطا بي هوى وصبا « 2 »

--> ( 1 ) البيت لعلقمة الفحل . ينظر : ديوانه ( 38 ) ، شرح التصريح 1 / 321 ، المقاصد النحوية 3 / 15 ، لسان العرب ( زبي ) ، الرد على النحاة ص 95 ، شرح الأشموني ص 304 ، أوضح المسالك 2 / 201 ، تذكرة النحاة ص 357 ، جمهرة اللغة ص 936 ، والمقرب 1 / 251 ، المفضليات 393 . ( 2 ) ينظر : الهمع 2 / 109 ، الدرر 2 / 143 ، البحر 2 / 307 ، تذكرة النحاة ص 359 ، الدر المصون 1 / 629 .