عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

356

اللباب في علوم الكتاب

فإن قيل : قد تقدّم شيئان ، وهما « طَعامِكَ وَشَرابِكَ » ولم يعد الضّمير إلّا مفرفا ، قلنا فيه ثلاثة أوجه : أحدهما : أنهما لمّا كانا متلازمين ، بمعنى أنّ أحدهما لا يكتفى به بدون الآخر ، صارا بمنزلة شيء واحد ؛ حتى كأنه [ قال : ] فانظر إلى غذائك . الثاني : أنّ الضمير يعود إلى الشّراب فقط ؛ لأنه أقرب مذكور ، وثمّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها . والتقدير : وانظر إلى طعامك لم يتسنّه ، وإلى شرابك لم يتسنّه ، وقرأ « 1 » ابن مسعود - رضي اللّه عنه - « فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنه » ، أو يكون سكت عن تغيّر الطعام ؛ تنبيها بالأدنى على الأعلى ، وذلك أنه إذا لم يتغيّر الشراب مع نزعة النّفس إليه ، فعدم تغيّر الطعام أولى ، قال معناه أبو البقاء « 2 » . الثالث : أنه أفرد في موضع التثنية ، قاله - أيضا - أبو البقاء « 3 » ؛ وأنشد : [ الكامل ] 1202 - فكأنّ في العينين حبّ قرنفل * أو سنبل كحلت به فانهلّت « 4 » وليس بشيء . وقرأ حمزة « 5 » ، والكسائي : « لم يتسنّه » بالهاء وقفا ، وبحذفها وصلا ، والباقون : بإثباتها في الحالين . فأمّا قراءتهما ، فالهاء فيها للسكت . وأمّا قراءة الجماعة : فالهاء تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون - أيضا - للسكت ، وإنما أثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف ، وهو في القرآن كثير ، [ سيمرّ بك منه مواضع ] فعلى هذا يكون أصل الكلمة : إمّا مشتقا من لفظ « السّنة » على قولنا إنّ لامها المحذوفة واو ، ولذلك تردّ في التصغير والجمع ؛ قالوا : « سنيّة وسنوات » ؛ وعلى هذه اللغة قالوا : « سانيت » أبدلت الواو ياء ؛ لوقوعها رابعة ، وقالوا : أسنت القوم إذا أصابتهم السّنة ؛ قال الشاعر : [ الكامل ] 1203 - . . . * ورجال مكّة مسنتون عجاف « 6 »

--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 349 ، وفيه : وقرأ ابن مسعود : « وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه » ، وانظر : البحر المحيط 2 / 304 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 101 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) تقدم برقم ( 708 ) . ( 5 ) انظر : السبعة 188 - 189 ، والحجة 2 / 368 ، 369 ، وحجة القراءات 143 ، وشرح شعلة 295 ، وشرح الطيبة 4 / 118 ، والعنوان 75 ، وإتحاف 1 / 449 ، وإعراب القراءات 1 / 93 - 95 . ( 6 ) عجز بيت للكميت بن زيد وصدره : عمرو الذي هشم الثريد لقومه ينظر : ديوانه 2 / 126 ، خزانة الأدب 7 / 151 ، وأمالي ابن الشجري 2 / 88 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 537 ، والمقاصد النحوية 4 / 361 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 250 ، والدر المصون 2 / 327 .