عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

357

اللباب في علوم الكتاب

ويقولون في جمعها : سنوات فقلبوا الواو تاء ، والأصل : أسنووا ، فأبدلوها كما أبدلوها في تجاه وتخمة ؛ كما تقدّم ، فأصله : يتسنّى فحذفت الألف جزما . وإما من لفظ « مسنون » وهو المتغير ، ومنه حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر : 28 ] ، والأصل : يتسنّن ، بثلاث نونات ، فاستثقل توالي الأمثال ، فأبدلنا الأخيرة ياء ؛ كما قالوا في تظنّن : تظنّى ، وفي قصّصت أظفاري : قصّيت ، ثم أبدلنا الياء ألفا ؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت جزما ، قاله أبو عمرو ، وخطّأه الزجاج « 1 » ، قال : « لأنّ المسنون : المصبوب على سنن الطريق » . وحكي عن النقّاش أنه قال : « هو مأخوذ من أسن الماء » أي : تغيّر ، وهذا وإن كان صحيحا معنى ، فقد ردّ عليه النحاة قوله ؛ لأنه فاسد اشتقاقا ، إذ لو كان مشتقا من « أسن الماء » لكان ينبغي حين يبنى منه تفعّل ، أن يقال تأسّن . ويمكن أن يجاب عنه : أنه يمكن أن يكون قد قلبت الكلمة بأن أخّرت فاؤها - وهي الهمزة - إلى موضع لامها ، فبقي : يتسنّأ ، بالهمزة آخرا ، ثمّ أبدلت الهمزة ألفا ، كقولهم في قرأ : « قرا » ، وفي استهزأ : « استهزا » ثم حذفت جزما . والوجه الثاني : أن تكون الهاء أصلا بنفسها ، ويكون مشتقا من لفظ « سنة » أيضا ، ولكن في لغة من يجعل لامها المحذوفة هاء ، وهم الحجازيون ، والأصل : سنيهة ، يدلّ على ذلك التصغير والتكسير ، قالوا : سنيهة ، وسنيهات ، وسانهت ؛ قال شاعرهم : 1204 - وليست بسهناء ولا رجبيّة * ولكن عرايا في السّنين الجوائح « 2 » ومعنى « لم يتسنّه » على قولنا : إنّه من لفظ السّنة ، أي : لم يتغيّر بمرّ السنين عليه ، بل بقي على حاله ، وهذا أولى من قول أبي البقاء « 3 » في أثناء كلامه : « من قولك : أسنى يسني ، إذا مضت عليه سنون » ؛ لأنه يصير المعنى : لم تمض عليه سنون ، وهذا يخالفه الحسّ ، والواقع . وقرأ أبيّ « 4 » ؛ « لم يسّنّه » بإدغام التّاء في السّين ، والأصل : « لم يتسنّه » .

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 1 / 341 . ( 2 ) البيت لسويد بن الصامت . ينظر : لسان العرب ( سنه ) ، ( عرا ) ، ومجالس ثعلب 1 / 76 ، معاني القرآن للفراء 1 / 173 ، أمالي القالي 1 / 21 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 414 ، 418 ، والطبري 3 / 39 ، الدر المصون 1 / 626 ، القرطبي 3 / 190 ، والبحر المحيط 2 / 296 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 109 . ( 4 ) وبها قرأ طلحة بن مصرف . انظر : المحرر الوجيز 1 / 350 ، والبحر المحيط 2 / 304 ، والدر المصون 1 / 626 .