عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
347
اللباب في علوم الكتاب
وفي قوله : « كالّذي » أربعة أوجه : أحدها : أنه عطف على المعنى وهو قول عند الكسائي والفرّاء « 1 » وأبي علي الفارسيّ وأكثر النحويّين ، قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى : لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 84 - 85 ] ثم قال : مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 86 - 87 ] . فهذا عطف على المعنى ؛ لأنّ معناه : لمن السّموات ؟ ! فقيل للّه ؛ وقال الشّاعر : [ الوافر ] 1193 - معاوي ، إنّنا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا « 2 » فحمل على المعنى ، وترك اللفظ ، وتقدير الآية : هل رأيت كالذي حاجّ إبراهيم ، أو كالذي مرّ على قرية ، هكذا قال مكيّ « 3 » ، أمّا العطف على المعنى ، فهو وإن كان موجودا في لسانهم ؛ كقوله : [ الطويل ] 1194 - تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة * بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد « 4 » وقول الأخر في هذين البيتين : [ الوافر ] 1195 - أجدّك لن ترى بثعيلبات * ولا بيدان ناجية ذمولا « 5 » ولا متدارك واللّيل طفل * ببعض نواشغ الوادي حمولا فإنّ معنى الأول : ليس بمكثّر ، ولذلك عطف عليه « ولا بحقلّد » ، ومعنى الثاني : أجدّك لست براء ، ولذلك عطف عليه « ولا متدارك » ، إلا أنهم نصّوا على عدم اقتياسه . الثاني : أنه منصوب على إضمار فعل ، وإليه نحا الزمخشريّ ، وأبو البقاء « 6 » ، قال الزمخشريّ : « أو كالّذي : معناه أو رأيت مثل الّذي » ، فحذف لدلالة « ألم تر » عليه ؛ لأنّ كلتيهما كلمتا تعجّب ، وهو حسن ؛ لأنّ الحذف ثابت كثير ، بخلاف العطف على المعنى .
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 170 . ( 2 ) البيت لعقبة أو لعقيبة الأسدي ينظر الإنصاف 1 / 332 ، وخزانة الأدب 2 / 260 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 131 ، 294 ، وسمط اللآلي ص 148 ، 149 ، شرح أبيات سيبويه ص 300 ، شرح شواهد المغني 2 / 870 ، والكتاب 1 / 67 ، الأشباه والنظائر 4 / 313 ، ابن الحاجب ص 160 ، رصف المباني ص 122 ، 148 ، الشعر والشعراء 1 / 105 ، مغني اللبيب 2 / 477 ، المقتضب 2 / 338 ، 4 / 112 ، 371 ، اللسان غمز . ( 3 ) ينظر : المشكل لمكي 1 / 108 . ( 4 ) ينظر ديوان زهير ( 234 ) ، المغني ( 582 ) ، اللسان : حقلد ، الدر المصون 1 / 621 . ( 5 ) البيتان للمرار بن سعيد . ينظران في : مجالس ثعلب 1 / 159 ، الخزانة 1 / 262 ، الطبري 1 / 443 ، معاني الفراء 1 / 171 ، الدر المصون 1 / 621 . ( 6 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 109 .