عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
338
اللباب في علوم الكتاب
« أن » ؛ لأنّ المفعول من أجله هنا نقّص شرطا ، وهو عدم اتّحاد الفاعل ، وإنما حذفت اللام ، لأنّ حرف الجرّ يطّرد حذفه معها ، ومع أنّ ، كما تقدّم . وفي كونه مفعولا من أجله وجهان : أحدهما : أنّه من باب العكس في الكلام بمعنى : أنه وضع المحاجّة موضع الشّكر ، إذ كان من حقّه أن يشكر في مقابلة إتيان الملك ، ولكنّه عمل على عكس القضية ، كقوله تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] ، وتقول : « عاداني فلان ؛ لأني أحسنت إليه » وهو باب بليغ . والثاني : أنّ إيتاء الملك حمله على ذلك ؛ لأنّه أورثه الكبر والبطر ، فنشأ عنهما المحاجّة . الوجه الثاني : أنّ « أن » ، وما في حيّزها واقعة موقع ظرف الزّمان ، قال الزّمخشريّ رحمه اللّه « ويجوز أن يكون التّقدير : حاجّ وقت أن آتاه اللّه » . وهذا الذي أجازه الزمخشريّ فيه نظر ؛ لأنّه إن عنى أنّ ذلك على حذف مضاف ففيه بعد من جهة أنّ المحاجّة لم تقع وقت إيتاء اللّه له الملك ، إلّا أن يتجوّز في الوقت ، فلا يحمل على الظّاهر ، وهو أنّ المحاجّة وقعت ابتداء إيتاء الملك ، بل يحمل على أنّ المحاجّة وقعت وقت وجود الملك ، وإن عنى أنّ « أن » وما حيّزها واقعة موقع الظّرف ، فقد نصّ النّحويون على منع ذلك وقالوا : لا ينوب عن الظّرف الزّماني إلا المصدر الصّريح ، نحو : « أتيتك صياح الدّيك » ولو قلت : « أن يصيح الدّيك » لم يجز . كذا قاله أبو حيّان قال شهاب الدين وفيه نظر ، لأنه قال : « لا ينوب عن الظّرف إلا المصدر الصّريح » ، وهذا معارض بأنهم نصّوا على أنّ « ما » المصدرية تنوب عن الزّمان ، وليست بمصدر صريح . والضمير في « آتاه » فيه وجهان : أظهرهما : أن يعود على « الّذي » ، وهو قول جمهور المفسرين وأجاز المهدويّ أن يعود على « إبراهيم » ، أي : ملك النّبوّة . قال ابن عطيّة : « هذا تحامل من التّأويل » ، وقال أبو حيان : هذا قول المعتزلة ، قالوا : لأنّ اللّه تعالى قال : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] والملك عهد ، ولقوله تبارك وتعالى : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [ النساء : 54 ] . وعود الضّمير إلى أقرب مذكور واجب ، وأقرب مذكور إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - وأجيب عن الأوّل بأنّ الملك حصل لآل إبراهيم ، وليس فيها دلالة على حصوله لإبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - . وعن الثاني : بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك ، فعود الضّمير إليه أولى . قوله : « إذ قال » فيه أربعة أوجه : أظهرها : أنّه معمول لحاجّ .