عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

319

اللباب في علوم الكتاب

واعلم أنّ مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى - عليه الصّلاة والسّلام - فإن كلّ من جوّز النّوم على اللّه - تعالى - أو كان شاكا في جوازه كفر ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى - عليه السّلام - فإن صحّت هذه الرواية فالواجب نسبة هذا السّؤال إلى جهال قومه . قوله : « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » هي كالتي قبلها إلّا في كونها تأكيدا ، و « ما » للشّمول ، واللّام في « له » للملك ، وكرّر « ما » تأكيدا ، وذكرها هنا المظروف دون الظرف ؛ لأنّ المقصود نفي الإلهيّة عن غير اللّه تعالى ، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلّا هو ، لأنّ ما عبد من دونه في السّماء كالشّمس ، والقمر ، والنجوم أو في الأرض كالأصنام وبعض بني آدم ، فكلّهم ملكه تعالى تحت قهره ، واستغنى عن ذكر أنّ السّموات ، والأرض ملك له بذكره قبل ذلك أنه خالق السّموات والأرض . [ احتجوا بهذه الآية الكريمة على أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ] لما كان المراد من هذه الإضافة الخلق ، والملك ، احتجوا بهذه الآية الكريمة على أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى . قالوا : لأنّ قوله تعالى « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » يتناول كل ما في السماوات والأرض ، وأفعال العباد من جملة ما في السّموات والأرض ، فوجب أن تكون منتسبة إلى اللّه تعالى انتساب الملك والخلق . فإن قيل : لم قال « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » ولم يقل من في السماوات . فالجواب : لما كان المراد إضافة كلّ ما سواه إليه بالمخلوقيّة ، وكان الغالب عليه ما لا يعقل ، أجرى الغالب مجرى الكلّ ، فعبر عنه بلفظة « ما » ، وأيضا فهذه الأشياء إنّما أسندت إليه من حيث إنّها مخلوقة ، وهي غير عاقلة ، فعبر عنه بلفظ « ما » للتنبيه على أنّ المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة . قوله : « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ » كقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [ البقرة : 245 ] . قال القرطبيّ « 1 » : « من » رفع بالابتداء ، و « ذا » خبره ، و « الّذي » نعت ل « ذا » ، أو بدل ولا يجوز أن تكون « ذا » زائدة كما زيدت مع « ما » ؛ لأنّ « ما » مبهمة ، فزيدت « ذا » معها لشبهها بها . و « من » ، وإن كان لفظها استفهاما فمعناه النّفي ، ولذلك دخلت « إلّا » في قوله « إِلَّا بِإِذْنِهِ » . و « عنده » فيه وجهان :

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 178 .