عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
316
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في المقصود من الاله ] اعلم أنّ تفسير الجلالة قد تقدّم في أوّل الكتاب ، والإله ؛ قال بعضهم : هو المعبود « 1 » ، وهو خطأ من وجهين : الأول : أنه تبارك وتعالى كان إلها في الأزل ، وما كان معبودا . الثاني : أنّه تعالى أثبت معبودا سواه في قوله : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأنبياء : 98 ] . قال ابن الخطيب - رحمه اللّه : وإنما « الإله » هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقا للعبادة ، وأما « الحيّ » قال المتكلّمون : هو كلّ ذات يصحّ أن يعلم ، ويقدر ، واختلفوا في أنّ هذا المفهوم صفة وجوديّة أم لا ، فقال بعضهم : إنّه عبارة عن كون الشّيء بحيث لا يمتنع أنّه يعلم ويقدر ، وعدم الامتناع صفة موجودة ، أم لا ؟ قال المحقّقون : لما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع ، وقد ثبت أنّ الامتناع أمر عدمي ، إذ لو كان وصفا موجودا ؛ لكان الموصوف به موجودا ، فيكون ممتنع الوجود موجودا ، وهو محال ، وإذا ثبت أنّ الامتناع عدم وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع ، وثبت أنّ عدم العدم : وجود ، لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة ، وهو المطلوب . قال ابن الخطيب « 2 » - رحمه اللّه تعالى - : ولقائل أن يقول لمّا كان الحيّ أنّه الذي يصحّ أن يعلم ، ويقدر ، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح اللّه نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات . والذي عندي في هذا الباب : أنّ الحيّ عبارة عن الكامل في نفسه ، ولما لم يكن كذلك مقيدا بأنه كامل في هذا دون ذاك دلّ على أنه كامل على الإطلاق . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنّه كان يقول : أعظم أسماء اللّه - تعالى - « الْحَيُّ الْقَيُّومُ » . روي أنّه - عليه الصّلاة والسّلام - ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر . والقيوم ؛ قال مجاهد : القائم على كلّ شيء « 3 » وتأويله قائم بتدبير الخلائق في إيجادهم وأرزاقهم . وقال الكلبيّ : القائم على كلّ نفس بما كسبت « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 7 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 388 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 579 ) وزاد نسبته لآدم بن أبي إياس والبيهقي في « الأسماء والصفات » عن مجاهد . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 238 .