عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
313
اللباب في علوم الكتاب
الكافرين قد يكون ظالما ، وإذا علّقناه بما تقدّم زال الإشكال . الثاني : أنّ معناه أنّ اللّه لم يظلم الكافر بإدخاله النّار ، وإنّما الكافر هو الذي ظلم نفسه ، حيث اختار الكفر والفسق ، ونظيره قوله تعالى : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] . الثالث : معناه : أنّكم أيّها الحاضرون لا تقتدوا بالكفّار حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم ، وحاجتهم ، ولكن قدّموا لأنفسكم ما يفديها يوم القيامة . الرابع : « الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » حيث وضعوا أنفسهم في غير مواضعها لتوقعهم الشّفاعة بمن لا يشفع لهم عند اللّه ، لأنهم كانوا يقولون عن الأوثان « هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ » وقالوا : إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى . الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق قال تعالى : آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] أي أعطت فلم تمنع فيكون معنى الآية الكريمة والكافرون هم التاركون للإنفاق في سبيل اللّه ، وأمّا المسلم فلا بدّ أن ينفق شيئا قلّ أو كثر . السادس : « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » أي هم الكاملون في الظلم البالغون الأمر العظيم فيه . ذكر هذه الوجوه القفال . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 255 ] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 ) اعلم أنّ عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أن يذكر علم التّوحيد ، وعلم الأحكام ، وعلم القصص ، فإنّ الإنسان إذا بقي في النّوع الواحد ، كان يوجب بعض الملال فإذا انتقل من نوع إلى نوع آخر ، كان كأنّه انشرح صدره ، وفرح قلبه ، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر ، وانتقل من بستان إلى بستان آخر ، أو من تناول طعام لذيذ إلى تناول طعام آخر ، ولا شكّ أنه يكون ألذّ ، وأشهى ، فلمّا تقدّم من علم الأحكام وعلم القصص ما رآه مصلحة ، ذكر الآن ما يتعلّق بالتّوحيد . قوله تعالى : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ الْحَيُّ ] » : مبتدأ وخبر وهو مرفوع محمول على المعنى ، أي : ما إله إلّا هو ، ويجوز في غير القرآن لا إله إلّا إيّاه ، نصب على الاستثناء . وقيل « اللّه » مبتدأ ، « ولا إله » مبتدأ ثان ، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود . و « الحيّ » فيه سبعة أوجه : أحدها : أن يكون خبرا ثانيا للجلالة . الثاني : أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف ، أي : هو الحيّ .