عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
312
اللباب في علوم الكتاب
وقال الأصمّ « 1 » : المراد منه الإنفاق في الجهاد . وفي المراد من البيع هنا وجهان : أحدهما : أنّه بمعنى الفدية كما قال : فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [ الحديد : 15 ] وقال : وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 123 ] ، وقال : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها [ الأنعام : 70 ] فكأنه قيل من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه ، فتكسب ما تفتدي به من العذاب . الثاني : أن يكون المعنى : قدّموا لأنفسكم من المال الذي هو ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة يكتسب بسببها شيء من المال . « ولا خلّة » ولا صداقة ، ونظيره قوله تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] وقال وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [ البقرة : 166 ] . وقوله : « وَلا شَفاعَةٌ » يقتضي نفي كلّ الشّفاعات ، فقوله : « وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ » عام في الكل إلّا أنّ سائر الدّلائل دلّت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة بين المؤمنين والسبب في عدم الخلة والشفاعة أمور : أحدها : أنّ كل واحد يكون مشغولا بنفسه . قال تبارك وتعالى : [ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] . الثاني : أنّ الخوف الشّديد يغلب على كلّ أحد ] « 2 » يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [ الحج : 2 ] . الثالث : أنّه إذا نزل العذاب بسبب الكفر ، أو الفسق صار مبغضا لهذين الأمرين وإذا صار مبغضا لهما ؛ صار مبغضا لمن اتّصف بهما . وقوله : « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » نقل عن ابن يسار أنّه كان يقول : الحمد للّه الذي قال : « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » ، ولم يق ل « والظّالمون هم الكافرون » « 3 » . وذكروا في تأويل هذه الآية وجوها : أحدها : أنّ نفي الخلّة ، والشّفاعة مختص بالكافرين ، لأنّه أطلقه ثم عقبه بقوله « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » وعلى هذا تصير الآية دالّة على إثبات الشّفاعة في حقّ الفسّاق . قال القاضي « 4 » : هذا التأويل غير صحيح ؛ لأنّ قوله « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » كلام مبتدأ ، فلم يجب تعليقه بما تقدّم . والجواب : أنّا لو جعلناه كلاما مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام اللّه تعالى ؛ لأنّ غير
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 175 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 175 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 176 .