عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
305
اللباب في علوم الكتاب
لأبيه داود ، وخصّ محمدا - صلّى اللّه عليه وسلّم - بأنّه مبعوث إلى الجن والإنس ، وبأنّ شرعه نسخ سائر الشّرائع . الثاني : أنّ المراد منه المعجزات ، فإنّ كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا آخر من المعجزات على ما يليق بزمانه ، فمعجزات موسى هي قلب العصا حيّة ، واليد البيضاء ، وفلق البحر كان كالشّبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدّمين فيه ، وهو السّحر . ومعجزات عيسى ، وهي إبراء الأكمه ، والأبرص ، وإحياء الموتى كالشّبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدّمين فيه ، وهو الطّبّ . ومعجزة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهي القرآن كانت من جنس الفصاحة ، والبلاغة والخطب ، والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلّة والكثرة وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوّة . الثالث : أن المراد بتفاوت الدّرجات ما يتعلّق بالدّنيا من كثرة الأتباع والأصحاب وقوّة الدّولة ، وإذا تأمّلت هذه الوجوه ؛ علمت أنّ محمدا - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان جامعا للكلّ ، فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى ، وأقوى ، وقومه أكثر ، ودولته أعظم وأوفر . الرابع : أنّ المراد بقوله : « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » هو محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ؛ لأنّه هو المفضل على الكلّ ، وإنما قال « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ » على سبيل الرّمز ، لمن فعل فعلا عظيما فيقال له : من فعل هذا الفعل ؛ فيقول : أحدكم ، أو بعضكم ، ويريد به نفسه وذلك أفخم من التّصريح به ، وقد سئل الحطيئة عن أشعر النّاس ، فذكر زهيرا ، والنّابغة ، ثم قال : « ولو شئت لذكرت الثّالث » أراد نفسه . وقيل : المراد إدريس عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] ومراتب الأنبياء في السّموات . فإن قيل : المفهوم من قوله « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » هو المفهوم من قوله : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » ، فما فائدة التكرير ؟ فالجواب « 1 » : أنّ قوله : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » [ يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض ، ولكنّه لا يدلّ على أنّ ذلك التّفضيل ، حصل بدرجة ، أو بدرجات ، فبيّن بالثّاني أنّ التّفضيل بدرجات . فإن قيل : قوله : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » ] « 2 » كلام كلي ، وقوله بعد ذلك « مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ » شروع في تفصيل تلك الجملة وقوله بعد ذلك : « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » ، إعادة لذلك الكلام الكلّي ، ومعلوم أنّ إعادة الكلام الكليّ بعد الشّروع في تفصيل جزئيّاته ، يكون تكرارا .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 171 . ( 2 ) سقط في ب .