عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
306
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أنّ فيه زيادة على الأوّل بقوله : « درجات » إذ التفصيل أعمّ درجة ودرجات ، فلا تكرار في شيء من ذلك . قوله : « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ » . فيه سؤالان « 1 » : السّؤال الأوّل : قال في أوّل الآية « فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » [ ثمّ عدل عن هذا النّوع من الكلام إلى المغايبة فقال : « مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » ] « 2 » ، ثم عدل من المغايبة إلى النّوع الأوّل فقال : « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ » فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة « 3 » ، ثم عوده إلى المخاطبة مرّة أخرى . والجواب : أنّ قوله : « مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ » أهيب وأكثر وقعا من أن يقال : منهم من كلمنا ، ولذلك قال : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » فلهذا اختار لفظ الغيبة . وأمّا قوله « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ » فإنّما اختار لفظ المخاطبة ؛ لأن الضّمير في قوله « وَآتَيْنا » ضمير التّعظيم ، وضمير تعظيم إحياء الموتى يدلّ على عظمة الإيتاء . السّؤال الثاني : لم خصّ موسى ، وعيسى - عليهما الصّلاة والسّلام - بذكر معجزاتهما ؟ والجواب : سبب التّخصيص : أنّ معجزاتهما أبهر ، وأقوى من معجزات غيرهما ، وأيضا ، فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزّمان ، وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين ، فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطّعن في أمتهما ، كأنه قيل هذان الرسولان مع علو درجتهما ، وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما لهما ، بل نازعوهما وخالفوهما وأعرضوا عن طاعتهما « 4 » . السّؤال الثالث : تخصيص عيسى - عليه الصّلاة والسّلام - بإيتاء البيّنات يوهم أنه مخصوص بالبيّنات دون غيره ، وليس الأمر كذلك ، فإن موسى صلّى اللّه عليه وسلّم أوتي أقوى منها ، أو مساو . والجواب : أنّ المقصود من هذا الكلام : التّنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث شاهدوا هذه البيّنات الواضحة الباهرة ، وأعرضوا عنها . السّوال الرابع : « البيّنات » جمع قلّة ، وذلك لا يليق بهذا المقام ! والجواب : لا نسلّم أنه جمع قلة ؛ لأنّ جمع السّلامة إنما يكون جمع قلّة إذا لم يعرّف بالألف واللام ، فأما إذا عرف بهما ؛ فإنه يصير للاستغراق ، ولا يدلّ على القلّة . قوله : « وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » « القدس » تثقله أهل الحجاز ، وتخففه تميم .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 171 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : المعاينة . ( 4 ) في ب : طلعتهما .