عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

303

اللباب في علوم الكتاب

أوتي نبي آية إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية ، وفضل على غيره بآيات مثل انشقاق القمر بإشارته ، وحنين الجذع على مفارقته ، وتسليم الحجر والشّجر عليه ، وكلام البهائم ، والشّهادة برسالته ، ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات ، والآيات الّتي لا تحصى وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السّماء والأرض عن الإتيان بمثله . قوله : « مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ » هذه الجملة تحتمل وجهين : أحدهما « 1 » : أن تكون لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها . والثاني : أنها بدل من جملة قوله « فضّلنا » . والجمهور على رفع الجلالة على أنه فاعل ، والمفعول محذوف وهو عائد الموصول أي : من كلّمه اللّه كقوله : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ الزخرف : 71 ] . وقرئ بالنصب « 2 » على أنّ الفاعل ضمير مستتر وهو عائد الموصول أيضا ، والجلالة نصب على التّعظيم . وقرأ أبو المتوكل « 3 » وابن السّميفع : « كالم اللّه » على وزن فاعل ، ونصب الجلالة ، و « كليم » على هذا معنى مكالم نحو : جليس بمعنى مجالس ، وخليط بمعنى مخالط . وفي هذا الكلام التفات ؛ لأنه خروج من ضمير المتكلّم المعظّم نفسه في قوله : « فضّلنا » إلى الاسم الظّاهر الّذي هو في حكم الغائب . فصل في كلام اللّه المسموع اختلفوا في ذلك الكلام ، فقال الأشعري ( 4 ) وأتباعه هو الكلام القديم الأزليّ الذي ليس بحرف ، ولا صوت قالوا : كما أنّه لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ، فهكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف . وقال الماتريديّ : سماع ذلك الكلام محال إنّما المسموع هو الحرف والصّوت . فصل في المراد بالمكلّم اختلفوا هل المراد بقوله : « مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ » : هل هو موسى وحده أم هو وغيره فقيل : موسى - صلّى اللّه عليه وسلّم - وحده ، وقيل : بل هو وغيره . قالوا : وقد سمع من قوم موسى السّبعون المختارون ، وسمع محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليلة المعراج بدليل قوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ النجم : 10 ] فإن قيل : قوله تعالى : « مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ » إنّما ذكره في بيان غاية المنقبة والشّرف لأولئك الأنبياء الذين كلّمهم

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 170 . ( 2 ) انظر : البحر المحيط 2 / 282 ، والدر المصون 1 / 610 . ( 3 ) وقرأ بها أبو نهشل . انظر المصدر السابق .