عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
302
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أن كون آدم - عليه الصّلاة والسّلام - مسجودا للملائكة ؛ لا يوجب أنّ يكون أفضل من محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة » . وقال : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين » ، وروي أنّ جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - أخذ بركاب محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السّجود . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ الأحزاب : 56 ] - صلّى اللّه عليه وسلّم - فصلّى بنفسه على محمّد ، وأمر الملائكة ، والمؤمنين بالصّلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، وأيضا ، فإنّ سجود الملائكة لآدم كان تأديبا ، وأمرهم بالصّلاة على محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - تقريبا ، وأيضا فالصّلاة على محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - [ دائمة إلى يوم القيامة وسجود الملائكة لآدم عليه السّلام ] « 1 » لم يكن إلا مرّة واحدة ، وأيضا فإنّ الملائكة ، إنّما أمروا بالسّجود لآدم لأجل أنّ نور محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - في جبهة آدم . قال القرطبي « 2 » : وقال ابن قتيبة : إنّما أراد بقوله « أنا سيّد ولد آدم » يوم القيامة ؛ لأنّه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض ، وأراد بقوله : « لا تخيّروني على يونس بن متّى » على طريق التواضع ، لأنّ قوله تعالى : وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [ القلم : 48 ] يدل على أن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أفضل منه . فإن قيل : إنه تعالى خصّ آدم بالعلم فقال : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] وقال في حقّ محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] وأيضا فمعلم آدم هو اللّه تعالى ومحمد معلمه جبريل كما قال : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [ النجم : 5 ] . فالجواب : أن اللّه تعالى قال في علم محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النساء : 113 ] ، وقال : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 1 - 2 ] وقال : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وأما قوله : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » ، فذلك بحسب التلقين والمعلم هو اللّه كقوله : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ السجدة : 11 ] وقال : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] . فإن قيل : قال نوح - عليه الصّلاة والسّلام - وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [ هود : 29 ] وذلك خلق منه . وقيل لمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [ الأنعام : 52 ] . فالجواب « 3 » : قد قيل لنوح : أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ نوح : 1 ] فكان أوّل أمره العذاب . وقيل لنبينا - صلّى اللّه عليه وسلّم - : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، وعاقبة نوح أن قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] وعاقبة النّبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - الشّفاعة . قال تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] فما
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 171 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 169 .