عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
301
اللباب في علوم الكتاب
قال القرطبي « 1 » رحمة اللّه عليه : فإن قيل : قد روى الثّقات أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تخيّروا بين الأنبياء ولا تفضّلوا بين أنبياء اللّه » ، فأجاب بعض العلماء عن ذلك ، فقال : كان هذا قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، وقبل أن يعلم أنه سيّد ولد آدم ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التّفضيل . وقال قوم : إنّ المنع من التّفضيل إنما هو من جهة النّبوة ، التي هي خصلة واحدة ، لا تفاضل فيها ، وإنّما التّفاضل في زيادة الأحوال ، والكرامات ، والألطاف ، والمعجزات المتباينة . وأما النّبوّة في نفسها ، فلا تفاضل فيها ، وإنما التّفاضل في أمور أخر زائدة عليها ؛ ولذلك منهم « أولو العزم » ، ومنهم من اتّخذ خليلا ، ومنهم من كلّم اللّه ، ورفع بعضهم درجات . قال القرطبي « 2 » : وهذا أحسن الأقوال ، فإنّه جمع بين الآي ، والأحاديث من غير نسخ ، وهكذا القول في الصحابة إن شاء اللّه تعالى اشتركوا في الصّحبة ، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم اللّه من المواهب ، والوسائل ، مع أنّ الكلّ شملتهم الصّحبة والعدالة . قال ابن الخطيب « 3 » : فإن قيل إنّ معجزات سائر الأنبياء ، كانت أعظم من معجزاته ، فإن آدم - عليه الصّلاة والسّلام - جعل مسجود الملائكة ، وإبراهيم ألقي في النّار العظيمة ؛ فانقلبت بردا وسلاما عليه ، وموسى أوتي تلك المعجزات العظيمة من قلب العصا حية تسعى ، وتلقفها ما صنعوا ، وإخراج اليد البيضاء من غير سوء ، وفلق البحر ، وفلق الحجر ، ومكالمة ربه ، وداود ألان له الحديد ، وسخّر الجبال يسبحن معه والطّير ، وسخر لسليمان الجن ، والإنس ، والطير والوحوش والرّياح ، وعيسى أنطقه في المهد ، وأقدره على إحياء الموتى ، ونفخ فيه من روحه ، وجعله يبرئ الأكمه ، والأبرص ، ولم يكن ذلك حاصلا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقال - عليه الصّلاة والسّلام - : « لا تفضّلوني على يونس بن متّى » « 4 » وقال : « لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بين زكريّا » « 5 » ، وذكر أنه لم يعمل سيئة قط .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 170 - 171 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 171 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 168 . ( 4 ) أخرجه مسلم في « صحيحه » كتاب الفضائل : باب في ذكر يونس عليه السلام حديث ( 166 - 167 ) من حديث أبي هريرة . ( 5 ) ذكره بهذا اللفظ المتقي الهندي في « كنز العمال » ( 11 / 521 ) رقم ( 32435 ) عن يحيى بن جعفر مرسلا وعزاه إلى ابن عساكر .