عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
293
اللباب في علوم الكتاب
و « ببعض » متعلّق بالمصدر ، والباء للتعدية ، فمجرورها المفعول الثاني في المعنى ، والباء إنّما تكون للتعدية في اللّازم ، نحو : « ذهب به » فأمّا المتعدّي لواحد فإنّما يتعدّى بالهمزة ، تقول : « طعم زيد اللّحم ، وأطعمته اللّحم » ولا تقول : « طعمته باللّحم » ، فتعدّيه إلى الثاني بالباء ، إلّا فيما شذّ قياسا ، وهو « دفع » ، و « صكّ » ، نحو : صككت الحجر بالحجر ، أي : جعلت أحدهما يصكّ الآخر ، ولذلك قالوا : صككت الحجرين أحدهما بالآخر . فصل في المدفوع والمدفوع به اعلم أنّه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع ، والمدفوع به ، وأمّا المدفوع عنه ، فغير مذكور ، وهو يحتمل وجوها : الأول : أن يكون المعنى : ولولا دفع اللّه بعض الناس عن الكفر بسبب البعض ، فيكون الدّافعون هم الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأئمة الذين يمنعون النّاس عن الكفر بسبب البعض بإظهار الدّلائل . قال تعالى : أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ إبراهيم : 1 ] . الثاني : دفع بعض الناس عن المعاصي ، والمنكرات بسبب البعض ، فيكون الدافعون هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ؛ لقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 110 ] . الثالث : ولولا دفع اللّه بعض الناس عن الهرج ، والمرج ، وإثارة الفتن في الدّنيا بسبب البعض ، فيكون الدّافعون هم الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - ثم الأئمة والملائكة الذّابّون عن شرائعهم ، وذلك أنّ الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده ، ما لم يخبز هذا لذاك ، ويطحن ذاك لهذا ، ويبني هذا لذاك ، وينسج ذاك لهذا ، ولا تتمّ مصلحة الإنسان . فالظّاهر أن مصلحته لا تتمّ إلّا باجتماع جمع في موضع واحد ، ولهذا قيل إن الإنسان مدنيّ بالطبع ، ثم إنّ الاجتماع سبب للمنازعة المفضية إلى المخاصمة ، ثم إلى المقاتلة ، فلا بدّ في الحكمة الإلهيّة من وضع شريعة بين الخلق ليقطع بها الخصومات ، والمنازعات ، فبعث اللّه الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - بالشّرائع ؛ ليدفع بهم ، وبشرائعهم الآفات ، والفساد عن الخلق فإنّ الخلق ما داموا متمسكين بالشّرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع ، والملوك والأئمة متى كانوا متمسكين بالشرائع كانت الفتن زائلة والمصالح حاصلة ، ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام : « الإسلام والسّلطان أخوان » « 1 » وقال أيضا : « الإسلام أمير ، والسّلطان حارس ، فمن لا أمير له فهو منهزم ، ومن لا حارس له فهو ضائع » « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه الديلمي عن ابن عباس كما في « كنز العمال » ( 6 / 10 ) رقم ( 14513 ) . ( 2 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 6 / 162 ) . ووقع في المخطوطة أبلفظ : الإسلام أس