عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
294
اللباب في علوم الكتاب
وعلى هذا الوجه فيكون تفسير قوله : « لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » ، أي : لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي ، وذلك يسمّى فسادا . قال تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] وقال : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [ القصص : 19 ] . الرابع : ولولا دفع اللّه بالمؤمنين ، والأبرار عن الكفّار ، والفجّار ، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها . قال - عليه الصّلاة والسّلام - : « إنّ اللّه ليدفع بالمسلم الصّالح عن مائة أهل بيت من جيرانه » « 1 » . وقال - عليه الصّلاة والسّلام - : « إنّ اللّه يدفع بمن يصلّي من أمّتي عمّن لا يصلّي ، وبمن يزكّي عمن لا يزكّي ، وبمن يصوم عمّن لا يصوم وبمن يحجّ عمّن لا يحجّ ، وبمن يجاهد عمّن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم اللّه طرفة عين » ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية « 2 » . ويدلّ على صحّة هذا القول قوله تعالى : وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً [ الكهف : 82 ] . وقال تعالى : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ الفتح : 25 ] وقال : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] . وعلى هذا التأويل يكون معنى قوله : « لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » ، أي : لأهلك اللّه أكثر أهلها لكثرة الكفّار والعصاة . قال القرطبيّ « 3 » : وقيل : هم الأبدال ، وهم أربعون رجلا ، كلّما مات واحد أبدل آخر ، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم اثنان وعشرون بالشّام ، وثمانية عشر بالعراق . وروي عن علي - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّ الأبدال يكونون بالشّام وهم أربعون رجلا كلّما مات منهم رجل أبدل اللّه مكانه رجلا يستقى بهم الغيث وينصرهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء » « 4 » .
--> والسلطان حارس فما لا أس له فهو متهدم وما لا حارس له فهو ضائع . والحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث . ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 374 ) والبغوي في « تفسيره » ( 1 / 256 ) وابن عدي في « الكامل » ( 2 / 790 ) والعقيلي في « الضعفاء » ( 4 / 404 ) والطبراني في « الكبير » كما في « مجمع الزوائد » ( 8 / 164 ) وقال الهيثمي : وفيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف . وقال العقيلي : يحيى بن سعيد العطار شامي منكر الحديث لا يتابع على حديثه . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » « الجامع لأحكام القرآن » ( 2 / 169 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 169 . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 1 / 112 ) وابن عساكر ( 1 / 61 - تهذيب ) والحكيم الترمذي في « نوادر الأصول » كما في « الدر المنثور » ( 1 / 567 ) عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه .