عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
289
اللباب في علوم الكتاب
لصاحبه ، واعلم أنّ عسكر طالوت لما برزوا إلى عسكر جالوت ، ورأوا قلّة جانبهم ، وكثرة عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدّعاء ، والتّضرع ، فقالوا : « رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً » . وفي ندائهم بقولهم : « ربّنا » : اعتراف منهم بالعبوديّة ، وطلب لإصلاحهم ؛ لأنّ لفظ « الرّبّ » يشعر بذلك دون غيرها ، وأتوا بلفظ « على » في قولهم : « أَفْرِغْ عَلَيْنا » طلبا ؛ لأن يكون الصّبر مستعليا عليهم ، وشاملا لهم كالظرف . ونظيره ما حكى اللّه عن قوم آخرين أنّهم قالوا حين لاقوا عدّوهم : وما كانوا قولهم إلّا أن قالوا : « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » إلى قوله وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ آل عمران : 147 ] وكذلك كان عليه الصّلاة والسّلام يفعل في المواطن كما روي عنه في قصّة بدر أنه عليه الصّلاة والسّلام لم يزل يصلّي ، ويستنجز من اللّه وعده ، وكان إذا لقي عدوّا قال : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرورهم واجعل كيدهم في نحورهم » وكان يقول : « اللّهمّ بك أصول وأجول » « 1 » . والإفراغ : الصّبّ ، يقال : أفرغت الإناء : إذا صببت ما فيه ، أصله : من الفراغ يقال : فلان فارغ معناه : خال ممّا يشغله ، والإفراغ : إخلاء الإناء من كلّ ما فيه . واعلم أنّ الأمور المطلوبة عند لقاء العدو ثلاثة : الأول : الصّبر على مشاهدة المخاوف وهو المراد بقولهم « وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » . الثاني : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يمكنه أن يقف ويثبت ، ولا يصير ملجأ إلى الفرار . الثالث : زيادة القوّة على العدوّ ؛ حتى يقهره ، وهو المراد من قولهم « وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » . فصل في دفع شبه المعتزلة في خلق الأفعال احتجّ أهل السّنّة بقوله : « رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً . . » الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ؛ لأنه لا معنى للصّبر إلّا : القصد على الثبات ولا معنى للثبات إلّا السّكون والاستقرار ، وهذه الآية دالّة على أنّ ذلك القصد المسمّى بالصّبر من اللّه تعالى . أجاب القاضي « 2 » : بأنّ المراد من الصبر ، وتثبيت الأقدام : تحصيل أسباب الصّبر ، وأسباب ثبات القدم : إمّا بأن يلقي في قلوب أعدائهم الاختلاف ، فيعتقد بعضهم أنّ البعض الآخر على الباطل ، أو يحدث في ديارهم وأهليهم البلاء ، كالموت ، والوباء ، أو يبتليهم بالموت ، والمرض الذي يعمهم ، أو يموت رئيسهم ، ومن يدبّر أمرهم ، فيكون ذلك سببا لجرأة المسلمين عليهم .
--> ( 1 ) انظر تفسير القرطبي « الجامع لأحكام القرآن » ( 3 / 256 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 158 .