عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
290
اللباب في علوم الكتاب
والجواب عما « 1 » قاله القاضي من وجهين : الأول : أنّا بيّنّا أنّ الصّبر عبارة عن القصد إلى السكون والثبات عبارة عن السكون وهو الذي أراده العبد من اللّه - تعالى - ، وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره ، وتحملونه على أسباب الصّبر ، وترك الظّاهر لغير دليل لا يجوز . الثاني : أنّ هذه الأسباب التي سلمتم أنّها بفعل اللّه تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في التّرجيح الدّاعي ، أوليس لها أثر فيه ؟ وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من اللّه تعالى فائدة ، وإن كان لها أثر في التّرجيح ؛ فعند صدور هذه الأسباب المرجحة يحصل الرجحان ، وعند حصول الرّجحان ، يمتنع الطّرف المرجوح ، فيجب حصول الطّرف الرّاجح ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض وهو المطلوب . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 251 ] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) « الهزم » : أصله الكسر ، يقال « سقاء متهزّم » إذا انشق و « قصب متهزّم » ، أي متكسّر . والهزمة : نقرة في الجبل ، أو في الصّخرة . قال سفيان بن عيينة في زمزم : وهي هزمة جبريل ، يريد هزمها برجله فخرج الماء . ويقال : سمعت هزيمة الرعد كأنّه صوت تشقّق . ويقال للسّحاب هزيم ؛ لأنّه ينشق بالمطر . قوله : « بِإِذْنِ اللَّهِ » فيه الوجهان المتقدّمان أعني كونه حالا ، أو مفعولا به . فصل [ في اخبار تعالى أنّ تلك الهزيمة كانت بإذن اللّه تعالى وإعانته وتيسيره ] أخبر تعالى أنّ تلك الهزيمة كانت بإذن اللّه تعالى وإعانته وتيسيره ، ثم قال : « وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ » . قال القرطبيّ « 2 » : وكان جالوت رأس العمالقة وملكهم ، ظلّه ميل ويقال : إنّ البربر من نسله . قال ابن عبّاس : إنّ داود - عليه الصّلاة والسّلام - كان راعيا ، له سبعة إخوة مع طالوت ، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم « إيشا » ؛ أرسل إليهم داود ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجياد إلى البراز ، وكان من قوم عاد ، فقال داود لإخوته : أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فسكتوا فذهب إلى ناحية أخرى من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت ، وهو يحرض الناس .
--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 167 .