عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

286

اللباب في علوم الكتاب

وأيضا فإنّهم أدغموا : يَأْتِيَ يَوْمٌ [ البقرة : 254 ] وهو نظير : فِي يَوْمٍ [ إبراهيم : 18 ] و الَّذِي يُوَسْوِسُ [ الناس : 4 ] بعين ما علّلوا به . وشرط هذا الإدغام في هذا الحرف عند أبي عمرو ضمّ الهاء ، كهذه الآية ، ومثله : هُوَ وَالْمَلائِكَةُ [ آل عمران : 18 ] هُوَ وَجُنُودُهُ [ القصص : 39 ] ، فلو سكنت الهاء ؛ امتنع الإدغام نحو وَهُوَ وَلِيُّهُمْ [ الأنعام : 127 ] ولو جرى فيه الخلاف أيضا لم يكن بعيدا ، فله أسوة بقوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ [ الأعراف : 199 ] بل أولى لأنّ سكون هذا عارض بخلاف : « العفو وأمر » . قوله تعالى : « وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » . ليس المراد منه المعيّة في الإيمان ، لإنّ إيمانهم لم يكن مع إيمان طالوت ، بل المراد : أنّهم جاوزا النّهر معه لأنّ لفظ « مع » لا تقتضي المعيّة لقوله تعالى : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ] واليسر لا يكون مع العسر . قوله : « لا طاقَةَ لَنَا » [ لنا ] هو : خبر « لا » ، فيتعلّق بمحذوف ، ولا يجوز أن يتعلّق بطاقة ، وكذلك ما بعده من قوله « اليوم » و « بجالوت » ؛ لأنه حينئذ يصير مطوّلا والمطوّل ينصب منونا ، وهذا كما تراه مبنيّا على الفتح ، بل « اليوم » و « بجالوت » متعلّقان بالاستقرار الّذي تعلّق به « لنا » . وأجاز أبو البقاء « 1 » : أن يكون « بجالوت » هو خبر « لا » ، و « لنا » حينئذ : إمّا تبيين أو متعلّق بمحذوف على أنّه صفة لطاقة . والطّاقة : القدرة وعينها واو ؛ لأنّها من الطّوق وهو القدرة ، وهي مصدر على حذف الزّوائد ، فإنّها من « أطاق » ونظيرها : أجاب جابة ، وأغار غارة ، وأطاع طاعة . و « جالوت » اسم أعجميّ ممنوع الصرف ، لا اشتقاق له ، وليس هو فعلوتا من جال يجول ، كما تقدّم في طالوت ، ومثلهما داود . قوله : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ » « كم » خبرية ، فإنّ معناها التّكثير ، ويدلّ على ذلك قراءة أبي « 2 » : « وكائن » ، وهي للتكثير ، ومحلّها الرّفع بالابتداء ، و « من فئة » تمييزها ، و « من » زائدة فيه . وأكثر ما يجيء مميّزها ، ومميّز « كائن » مجرورا بمن ، ولهذا جاء التنزيل على ذلك ، وقد تحذف « من » ، فيجرّ مميّزها بالإضافة لا بمن مقدرة على الصّحيح ، وقد ينصب حملا على مميّز « كم » الاستفهامية ، كما أنّه قد يجرّ مميّز الاستفهاميّة حملا عليها ، وذلك بشروط ذكرها النّحاة . قال الفرّاء : لو ألغيت « من » هاهنا جاز فيه الرّفع والنّصب والخفض .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 105 . ( 2 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 336 ، والبحر المحيط 2 / 277 ، الدر المصون 1 / 607 .