عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
27
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : أنّ الثّواب على الإيمان ، والعمل غير واجب عقلا ، بل بحكم الوعد فلذلك علّقه بالرّجاء . وثانيها : هب أنّه واجب عقلا ، ولكنّه تعلّق بأنه لا يكفر ، وهذا الشّرط مشكوك لا متيقّن ، فلا جرم ذكر الرّجاء ، لا القطع . وثالثها : أنّ المذكور هاهنا هو الإيمان ، والهجرة ، والجهاد ، ولا بدّ للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال ، وهو أن يرجو أن يوفقه اللّه لها ، كما وفّقه لهذه الثّلاثة ، فلا جرم علقه على الرّجاء . ورابعها : ليس المراد من الآية أنّ اللّه تعالى شكّك العبد في هذه المغفرة ، بل المراد وصفهم بأنّهم يفارقون الدّنيا مع الهجرة والجهاد ، ومستقصرين أنفسهم في حقّ اللّه تعالى يرون أنّهم يعبدونه حقّ عبادته ، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه ، فيقدمون على اللّه مع الخوف والرّجاء ، كما قال : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [ المؤمنون : 60 ] . وأجاب القرطبيّ عن هذا السّؤال بوجهين آخرين : الأول : أنّ الإنسان لو بلغ في طاعة اللّه كلّ مبلغ ، لا يدري بماذا يختم له . الثاني : لئلّا يتّكل على عمله . القول الثاني : أنّ المراد من الرّجاء القطع في أصل الثّواب ، والظّن إنّما دخل في كميّته وفي وقته ، وفيه وجوه تقدّمت في قوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] . وقوله : « وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ، أي : إنّ اللّه تعالى يحقّق لهم رجاءهم ، إذا ماتوا على الإيمان ، والعمل الصّالح . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 219 إلى 220 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) قوله : « عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ » لا بدّ فيه من حذف مضاف إذ السّؤال عن ذاتي الخمر والميسر غير مراد ، والتّقدير : عن حكم الخمر والميسر . الخمر : هو المعتصر من العنب إذا غلى ، وقذف بالزّبد ، ويطلق على ما غلى ، وقذف بالزّبد من غير ماء العنب مجازا .