عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

262

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : « من بني » فيه وجهان : أحدهما : أنّه صلة للملأ على مذهب الكوفيين ؛ لأنهم يجعلون المعرّف بأل موصولا ؛ وينشدون : [ الطويل ] 1159 - لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل « 1 » و « من بعد موسى » متعلّق بما تعلّق [ به ] الجارّ الأول ، وهو الاستقرار ، ولا يضرّ اتحاد الحرفين لفظا لاختلافهما معنى ، فإنّ الأولى للتبعيض والثانية لابتداء الغاية . وقال أبو البقاء « 2 » : « من بعد » متعلّق بالجار الأول ، أو بما تعلّق به الأول يعني بالأول : « من بني » ، وجعله عاملا في : « من بعد » لما تضمنّه من الاستقرار ، فلذلك نسب العمل إليه ، وهذا على رأي بعضهم ، ينسب العمل للظرف والجارّ الواقعين خبرا أو صفة أو حالا أو صلة ، فتقول في نحو : « زيد في الدار أبوه » أبوه : فاعل بالجارّ ، والتحقيق أنه فاعل بالاستقرار الذي تعلّق به الجارّ ، وهو الوجه الثاني . وقدّر أبو البقاء « 3 » مضافا محذوفا . تقديره : من بعد موت موسى ، ليصحّ المعنى بذلك . قوله : « إذ قالوا » العامل في هذا الظرف أجازوا فيه وجهين : أحدهما : أنه العامل في « من بعد » لأنّه بدل منه ، إذ هما زمانان ، قاله أبو البقاء « 4 » : والثاني : أنه « ألم تر » قال شهاب الدين وكلاهما غير صحيح . أمّا الأول فلوجهين : أحدهما من جهة اللفظ والآخر من جهة المعنى . فأمّا الذي من جهة اللفظ فإنه على تقدير إعادة « من » و « إذ » لا تجرّ ب « من » . الثاني : أنه ولو كانت « إذ » من الظروف التي تجرّ ب « من » وقت وحين لم يصحّ [ ذلك أيضا لأنّ العامل في « من بعد » محذوف فإنه حال تقديره : كائنين من بعد ، ولو قلت : كائن من حين قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكا لم يصحّ ] هذا المعنى . وأمّا الثاني فلأنه تقدّم أن معنى « ألم تر » تقرير للنفي ، والمعنى : ألم ينته علمك ، أو قد نظرت إلى الملأ وليس انتهاء علمه إليهم ولا نظره إليهم كان في وقت قولهم ذلك ، وإذا لم تكن ظرفا للانتهاء ولا للنظر فكيف تكون معمولا لهما أو لأحدهما ؟ وإذ قد بطل هذان الوجهان فلا بدّ له من عامل يصحّ به المعنى وهو محذوف ، تقديره : ألم تر إلى قصة الملأ أو حديث الملأ أو ما في معناه ؛ وذلك لأنّ الذوات لا يتعجّب منها ، إنما يتعجّب من أحداثها ، فصار المعنى : ألم تر إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل إلى آخرها ، فالعامل هو ذلك المجرور ، ولا يصحّ المعنى إلا به لما تقدّم .

--> ( 1 ) تقدم برقم 1073 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 103 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 103 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .