عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
26
اللباب في علوم الكتاب
وأمّا قوله : لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [ يونس : 7 ] أي لا يرجون ثواب لقائنا ، فالرّجاء أيضا على بابه ، قاله ابن عطيّة . وقال الأصمعيّ : « إذا اقترن الرّجاء بحرف النّفي ، كان بمعنى الخوف » كهذا البيت والآية . وفيه نظر إذ النّفي لا يغيّر مدلولات الألفاظ . والرّجاء مقصود ناحية البئر ، وحافّاته من كل ناحية ، وجاؤوا بقوام « 1 » من النّاس يخطّون في قولهم بأعظم الرّجاء ، فيقصرون ، ولا يمدّون ، وكتبت « رحمة » هنا بالتّاء : إمّا جريا على لغة من يقف على تاء التّأنيث بالتّاء ، وإما اعتبارا بحالها في الوصل ، وهي في القرآن في سبعة مواضع ، كتبت في الجميع تاء ، هنا وفي الأعراف : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ [ آية : 56 ] ، وفي هود : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ [ آية : 73 ] ، وفي مريم : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ [ آية : 2 ] ، وفي الرّوم : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [ آية : 50 ] ، وفي الزخرف : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ [ آية : 32 ] . فصل في تعلّق هذه الآية بما قبلها ، وجهان : الأول : أنّ عبد اللّه بن جحش قال : يا رسول اللّه ، هب أنّه لا عقاب علينا فيما فعلنا ، فهل نطمع منه أجرا ، وثوابا ، فنطمع أن يكون سفرنا هذا غزوا ؛ فأنزل اللّه هذه الآية ؛ لأنّ عبد اللّه كان مؤمنا ، ومهاجرا ، وسبب هذه المقاتلة ، كان مجاهدا . الثاني : أنّه تعالى أوجب الجهاد من قبل بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وبين أن تركه سبب الوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا » ولا يكاد يوجد وعيد إلّا ويعقبه وعد . فصل في المراد بالرجاء وفي هذا الرجاء قولان : الأوّل : عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها وأراد تعالى هنا : أنّهم يظنّون في ثواب اللّه ؛ لأن عبد اللّه بن جحش ما كان قاطعا بالفوز والثّواب في عمله ، بل كان يتوقّعه ، ويرجوه . فإن قيل : لم جعل الوعد مطلقا بالرّجاء ، ولم يقطع به ، كما في سائر الآيات ؟ فالجواب من وجوه :
--> ( 1 ) في ب : رجاء لعوام .