عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

25

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 218 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا » . إنّ واسمها و « أولئك » مبتدأ ، و « يرجون » خبره ، والجملة خبر « إنّ » ، وهو أحسن من كون « أولئك » بدلا من « الّذين » ، و « يرجون » خبر « إنّ » . وجيء بهذا الأوصاف الثّلاثة مترتّبة على حسب الواقع ، إذ الإيمان أول ، ثم المهاجرة ، ثم الجهاد . وأفرد الإيمان بموصول وحده ؛ لأنّه أصل الهجرة والجهاد ، وجمع الهجرة ، والجهاد في موصول واحد ، لأنّهما فرعان عنه ، وأتى بخبر « إنّ » اسم إشارة ؛ لأنّه متضمّن للأوصاف السّابقة . وتكرير الموصول بالنّسبة إلى الصّفات ، لا الذّوات ، فإنّ الذّوات متّحدة موصوفة بالأوصاف الثّلاثة ، فهو من باب عطف بعض الصّفات على بعض ، والموصوف واحد . ولا نقول : إنّ تكرير الموصوف يدلّ على تغاير الذّوات الموصوفة ؛ لأنّ الواقع كان كذلك . وأتى ب « يرجون » ؛ ليدلّ على التّجدّد وأنهم في كلّ وقت يحدثون رجاء . والمهاجرة : مفاعلة من الهجر ، وهي الانتقال من أرض إلى أرض ، وأصل الهجر التّرك . والمجاهدة مفاعلة من الجهد ، وهو استخراج الوسع وبذل المجهود ، والإجهاد : بذل المجهود في طلب المقصود ، والرّجاء : الطمع . وقال الرّاغب « 1 » : هو ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة ، وقد يطلق على الخوف ؛ وأنشد : [ الطويل ] : 1064 - إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل « 2 » أي : لم يخف ، وقال تعالى : لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [ يونس : 7 ] أي : لا يخافون ، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة ، أو المجاز ؟ فزعم قوم أنه حقيقة ، ويكون من الاشتراك اللّفظي ، وزعم قوم أنه من الأضداد ، فهو اشتراك لفظيّ أيضا . قال ابن عطيّة : « وليس هذا بجيّد » ، يعني : أنّ الرّجاء والخوف ليسا بضدّين إذ يمكن اجتماعهما ، ولذلك قال الرّاغب « 3 » - بعد إنشاده البيت المتقدّم - « ووجه [ ذلك ] : أنّ الرّجاء والخوف يتلازمان » ، وقال ابن عطيّة : « والرّجاء أبدا معه خوف ، كما أنّ الخوف معه رجاء » . وزعم قوم أنه مجاز للتلازم الّذي ذكرناه عن الرّاغب وابن عطيّة . وأجاب الجاحظ عن البيت بأنّ معناه لم يرج برء لسعها وزواله فالرّجاء على بابه .

--> ( 1 ) ينظر : المفردات 195 . ( 2 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي ينظر ديوانه : 1 / 143 ، الكشاف 4 / 449 والدر المصون 1 / 534 . ( 3 ) ينظر : المفردات للراغب 196 .