عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
239
اللباب في علوم الكتاب
الذي لا يسقط بحال ، ولا تحوز النيابة فيها ببدن ، ولا مال ، فيقتل تاركها كالشهادتين . قوله : « فَإِذا أَمِنْتُمْ » يعني بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة « فَاذْكُرُوا اللَّهَ » أي : فصلّوا الصلوات الخمس . والصلاة قد تسمّى ذكرا ، قال تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] . وقيل : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ » أي : فاشكروه ؛ لأجل إنعامه عليكم بالأمن . وطعن القاضي « 1 » في هذا القول ؛ بأن الشّكر يلزم مع الخوف ، كما يلزم مع الأمن ؛ لأن نعم اللّه تعالى متصلة في الحالين . وقيل : إنّ قوله تعالى : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ » يدخل تحته الصلاة ، والشكر جميعا . قوله : « كما علّمكم » الكاف في محلّ نصب : إمّا نعتا لمصدر محذوف ، أو حالا من ضمير المصدر المحذوف ، وهو الظاهر ، ويجوز فيها أن تكون للتعليل ، أي : فاذكروه لأجل تعليمه إيّاكم ، و « ما » يجوز أن تكون مصدرية ، وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون بمعنى « الّذي » ، والمعنى : فصلّوا الصّلاة كالصّلاة التي علّمكم ، وعبّر بالذكر عن الصلاة ، ويكون التشبيه بين هيئتي الصلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن . قال ابن عطيّة : « وعلى هذا التأويل يكون قوله : « ما لَمْ تَكُونُوا » بدلا من « ما » في « كما » وإلّا لم يتّسق لفظ الآية » قال أبو حيان : « وهو تخريج ممكن ، وأحسن منه أن يكون « ما لَمْ تَكُونُوا » بدلا من الضمير المحذوف في « علّمكم » العائد إلى الموصول ؛ إذ التقدير : علّمكموه ، ونصّ النحويون على أنه يجوز : ضربت الذي رأيت أخاك » [ أي : رأيته أخاك ] ، ف « أخاك » بدل من العائد المحذوف » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 240 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 ) قرأ ابن كثير ، ونافع « 2 » ، والكسائي ، وأبو بكر ، عن عاصم : « وصيّة » بالرفع والباقون : بالنصب . وفي رفع « الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ » ثمانية أوجه ، خمسة منها على قراءة من رفع « وصيّة » ، وثلاثة على قراءة من نصب « وصية » ؛ فأوّل الخمسة : أنه مبتدأ ، و « وصيّة » مبتدأ ثان ، وسوّغ الابتداء بها كونها موصوفة تقديرا ؛ إذ التقدير : « وصيّة من اللّه » أو « منهم » ؛ على حسب الخلاف فيها : أهي واجبة من اللّه تعالى ، أو مندوبة للأزواج ؟ و « لأزواجهم » خبر المبتدأ الثاني ، فيتعلّق بمحذوف ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول ، وفي هذه الجملة ضمير الأول ، وهذه نظير قولهم : « السّمن منوان بدرهم » تقديره : « منوان منه » ، وجعل ابن عطية
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 133 . ( 2 ) انظر : حجة القراءات 138 ، والحجة 2 / 341 ، وشرح الطيبة 4 / 106 وشرح شعلة 292 ، والعنوان 74 ، وإتحاف فضلاء البشر 1 / 442 .