عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

223

اللباب في علوم الكتاب

وجه آخر ، وهو أن تكون الواو لام الكلمة ، وفي هذا الفعل ضمير مفرد يعود على الذي بيده عقدة النّكاح ، إلا أنه قدّر الفتحة في الواو استثقالا ؛ كما تقدّم في قراءة الحسن ، تقديره : وأن يعفو الذي بيده عقدة النّكاح . قوله : « للتّقوى » متعلّق ب « أقرب » وهي هنا للتعدية ، وقيل : بل هي للتعليل ، و « أقرب » تتعدّى تارة باللام ، كهذه الآية ، وتارة ب « إلى » ؛ كقوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ، وليست « إلى » بمعنى « اللام » ، وقيل : بل هي بمعناها ، وهذا مذهب الكوفيين ، أعني التجوّز في الحروف ، ومعنى اللام و « إلى » في هذا الموضع يتقارب . وقال أبو البقاء « 1 » : يجوز في غير القرآن : « أقرب من التقوى ، وإلى التقوى » ، إلّا أنّ اللام هنا تدلّ على [ معنى ] غير معنى « إلى » ، وغير معنى « من » ، فمعنى اللام : العفو أقرب من أجل التقوى ، واللام تدلّ على علّة قرب العفو ، وإذا قلت : أقرب إلى التقوى ، كان المعنى : يقارب التقوى ؛ كما تقول : « أنت أقرب إليّ » ، و « أقرب من التّقوى » يقتضي أن يكون العفو والتقوى قريبين ، ولكنّ العفو أشدّ قربا من التقوى ، وليس معنى الآية على هذا . انتهى ، فجعل اللام للعلة ، لا للتعدية ، و « إلى » للتعدية . واعلم أنّ فعل التعجّب ، وأفعل التفضيل يتعدّيان بالحرف الذي يتعدّى به فعلهما قبل أن يكون تعجّبا وتفضيلا ؛ نحو : « ما أزهدني فيه وهو أزهد فيه » ، وإن كان من متعدّ في الأصل : فإن كان الفعل يفهم علما أو جهلا ، تعدّيا بالباء ؛ نحو : « هو أعلم بالفقه » ، وإن كان لا يفهم ذلك ، تعدّيا باللام ، نحو : « ما أضربك لزيد » و « أنت أضرب لعمرو » إلّا في باب الحبّ والبغض ، فإنهما يتعدّيان إلى المفعول ب « في » ، نحو : « ما أحبّ زيدا في عمرو ، وأبغضه في خالد ، وهو أحبّ في بكر ، وأبغض في خالد » وإلى الفاعل المعنويّ ب « إلى » ، نحو « زيد أحبّ إلى عمرو من خالد ، وما أحبّ زيدا إلى عمرو » ، أي : إنّ عمرا يحبّ زيدا ، وهذه قاعدة جليلة . والمفضّل عليه في الآية الكريمة محذوف ، تقديره : أقرب للتقوى من ترك العفو ، والياء في التقوى بدل من واو ، وواوها بدل من ياء ؛ لأنها من وقيت أقي وقاية ، وقد تقدّم ذلك أوّل السورة . فصل وإنّما كان العفو أقرب إلى حصول التقوى ؛ لأن من سمح بترك حقّه ، فهو محسن ، ومن كان محسنا ، استحقّ الثواب ، وإذا استحق الثواب ، فقد اتقى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب . وأيضا فإن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظّلم ، وترك الظلم تقوى في

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 100 .