عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

224

اللباب في علوم الكتاب

الحقيقة ؛ لأن من سمح بحقّه تقرّبا إلى ربه ، كان أبعد من أن يظلم غيره . قوله : « وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ » قرأ الجمهور بضمّ الواو من « تنسوا » ؛ لأنها واو ضمير ، وقرأ « 1 » ابن يعمر بكسرها تشبيها بواو « لو » كما ضمّوا الواو من « لو » ؛ تشبيها بواو الضمير ، وقال أبو البقاء « 2 » في واو « تنسوا » من القراءات ووجوهها ما ذكرناه في اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [ البقرة : 16 ] ، وكان قد قدّم فيها خمس قراءات ، فظاهر كلامه عودها كلّها إلى هنا ، إلّا أنه لم ينقل هنا إلا الوجهان اللذان ذكرتهما . وقرأ علي « 3 » - رضي اللّه عنه - : « ولا تناسوا » قال ابن عطيّة : « وهي قراءة متمكّنة في المعنى ؛ لأنه موضع تناس ، لا نسيان ، إلّا على التشبيه » ، وقال أبو البقاء « 4 » : « على باب المفاعلة ، وهي بمعنى المتاركة ، لا بمعنى السهو » ، وهو قريب من قول ابن عطيّة . قوله تعالى : « بينكم » فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب ب « تنسوا » . والثاني : أنه متعلّق بمحذوف على أنّه حال من الفضل ، أي : كائنا بينكم ، والأول أولى ؛ لأنّ النهي عن فعل يكون بينهم أبلغ من فعل لا يكون بينهم والمراد بالفضل ، أي : إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق ، أو ترك المرأة نصيبها ، حثّهما جميعا على الإحسان ، ثم ختم الآية بما يجري مجرى التهديد ، فقال : « إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » . قال القرطبي « 5 » : هذا خبر في ضمنه الوعد للمحسنين ، والحرمان لغير المحسنين ، أي : لا يخفى عليه عفوكم ، واستقضاؤكم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 238 إلى 239 ] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ( 238 ) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) قوله تعالى : « حافظوا » : في « فاعل » هنا قولان : أحدهما : أنه بمعنى « فعل » ، كطارقت النّعل ، وعاقبت اللصّ ، ولمّا ضمّن المحافظة معنى المواظبة ، عدّاها ب « على » .

--> ( 1 ) انظر : البحر المحيط 1 / 247 ، والدر المصون 1 / 588 ، والقرطبي 3 / 137 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 100 . ( 3 ) وبها قرأ مجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة . انظر : المحرر الوجيز 1 / 323 ، البحر المحيط 2 / 247 ، والدر المصون 1 / 588 . ( 4 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 100 . ( 5 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 137 .