عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

222

اللباب في علوم الكتاب

وأيضا ، فالعفو قد يراد به التسهيل ، يقال : فلان وجد المال عفوا صفوا ، وقد تقدّم وجهه في تفسير قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة : 178 ] فعلى هذا عفو الرجل : أن يبعث إليها كلّ الصداق على وجه السهولة . الثاني : أنّ ذكر الزّوج ، قد تقدّم في قوله تعالى : « وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ » فلو كان المراد ب « الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » هو الزوج ، لقال : أو تعفو على سبيل المخاطبة فلمّا عبّر عنه بلفظ الغائب ، علمنا أنّ المراد منه غير الأزواج . وأجيبوا بأنّ سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة ؛ التنبيه على المعنى الذي لأجله رغب الزوج في العقد ، والمعنى : أو يعفو الزوج الذي حبسها مالك عقد نكاحها عن الأزواج ، ولم يكن منها سببب في الفراق وإنّما فارقها الزوج ، فلا جرم كان حقيقا بألّا ينقصها من مهرها شيئا . الثالث : أنّ الزوج ليس بيده عقد عقدة النكاح ألبتّة ؛ لأنه قبل النكاح كان أجنبيّا عن المرأة ، ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه ، وأمّا بعد النكاح ، فقد حصل النكاح ، ولا قدرة له على إيجاد الموجود ، بل له قدرة على إزالة النكاح ، واللّه - تعالى - أثبت العفو لمن في يده ، وفي قدرته عقد النكاح . قوله تعالى : « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ » : « أن تعفوا » في محلّ رفع بالابتداء ؛ لأنه في تأويل « عفوكم » ، و « أقرب » خبره ، وقرأ الجمهور « تعفوا » بالخطاب ، والمراد الرجال والنساء ، فغلّب المذكّر لأنه الأصل ، والتأنيث فرع في اللّفظ ، والمعنى ؛ أمّا في اللفظ : فإنّك تقول : « قائم » ، وإذا أردت التأنيث ، قلت : « قائمة » فاللفظ الدالّ على المذكر هو الأصل ، والدالّ على المؤنّث فرع عليه ، وأمّا المعنى : فلأنّ الكمال للذّكور ، والنّقصان للإناث ؛ فلهذا متى اجتمع المذكر ، والمؤنث - غلّب التذكير ، والظاهر أنه للأزواج خاصّة ؛ لأنهم المخاطبون في صدر الآية ، وعلى هذا فيكون التفاتا من غائب ، وهو قوله : « الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » - على قولنا إنّ المراد به الزوج - [ وهو المختار ] - إلى الخطاب الأول في صدر الآية ، وقرأ الشّعبيّ « 1 » وأبو نهيك « يعفوا » بياء من تحت ، قال أبو حيّان « 2 » جعله غائبا ، وجمع على معنى : « الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » ؛ لأنه للجنس لا يراد به واحد يعني أنّ قوله : « وأن يعفوا » أصله « يعفوون » ، فلمّا دخل الناصب ، حذفت نون الرفع ، ثم حذفت الواو التي هي لام الكلمة ، وهذه الباقية هي ضمير الجماعة ، جمع على معنى الموصول ؛ لأنه وإن كان مفردا لفظا ، فهو مجموع في المعنى ؛ لأنه جنس ، ويظهر فيه

--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 321 ، والبحر المحيط 2 / 247 ، والدر المصون 1 / 587 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 247 .