عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
205
اللباب في علوم الكتاب
إلّا حمار » لو قلت : « ما جاء إلّا حمار » ، صحّ ؛ بخلاف القسم الثاني ؛ فإنّه لا يتوجّه عليه العامل وقد تقدم البحث في مثل هذا كثيرا . فصل في القول المعروف ما هو ؟ قال بعض المفسرين : هو التعريض بالخطبة . وقال آخرون : لمّا أذن في أوّل الآية بالتعريض ، ثم نهي عن المسارّة معها ؛ دفعا للريبة ، استثني منه المسارّة بالقول بالمعروف ، وهو أن يعدها في السرّ بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفّل بمصالحها ؛ حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة ، مؤكّدا لذلك التعريض . قوله : « وَلا تَعْزِمُوا » في لفظ « العزم » وجوه : الأول : أنّه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال ، قال تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] فلا بدّ في الآية من إضمار فعل ، وهذا اللفظ إنما يعدّى للفعل بحرف « على » فيقال : فلان عزم على كذا ، فيكون تقدير الآية : « ولا تعزموا على عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله » والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدّة ، فإنّ العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي عن الإقدام على المعزوم عليه كان أولى . الثاني : أنّ العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، أي : أوجبت ، ويقال هذا من باب العزائم ، لا من باب الرّخص ، وقال - عليه الصلاة والسلام - « عزمة من عزائم ربّنا » « 1 » وقال : « إنّ اللّه تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه » « 2 » ، فالعزم بهذا المعنى جائز على اللّه تعالى ، وبالوجه الأول لا يجوز . وإذا ثبت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم من الوجود ، وعلى هذا فقوله : « وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ » ، أي : لا تحقّقوا ، ولا تنشئوا ، ولا تفرّعوا منه فعلا ؛ حتى يبلغ الكتاب أجله وهذا اختيار أكثر المحققين . الثالث : قال القفّال « 3 » : إنما لم يقل : ولا تعزموا على عقدة النكاح ؛ لأن معناه : ولا تعقدوا عقدة . قال القرطبيّ : عزم الشيء وعزم عليه قال تعالى : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ [ البقرة : 227 ]
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 1 / 494 ) كتاب الزكاة : باب في زكاة السائمة حديث ( 1575 ) والنسائي ( 5 / 15 - 16 ) كتاب الزكاة : باب عقوبة مانع الزكاة والحاكم ( 1 / 397 - 398 ) من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده به . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 115 .