عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

201

اللباب في علوم الكتاب

الكنّ ، وفي النّفس ؛ بمعنى ، ومنه ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ [ القصص : 69 ] ، و بَيْضٌ مَكْنُونٌ [ الصافات : 49 ] وفرّق قوم بينهما ، فقالوا : كننت الشيء : إذا صنته حتّى لا تصيبه آفة ، وإن لم يكن مستورا يقال : درّ مكنون وجارية مكنونة ، وبيض مكنون مصون عن التدحرج ؛ وأمّا « أكننت » فمعناه : أضمرت ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ، ويستره عن غيره ، وهو ضدّ أعلنت وأظهرت ، ومفعول « أكنّ » محذوف يعود على « ما » الموصولة في قوله : « فِيما عَرَّضْتُمْ » أي : أو أكننتموه ، ف « فِي أَنْفُسِكُمْ » متعلّق ب « أكننتم » ، ويضعف جعله حالا من المفعول المقدّر . فصل في عدوم وجوب الحد بالتعريض استدلّ بعضهم « 1 » بهذه الآية على أنّه لا يجب الحدّ بالتعريض بالقذف [ لأنّ اللّه تعالى لمّا دفع الجرج في التعريض بالنّكاح ، دلّ على أنّ التعريض بالقذف ] « 2 » لا يوجب الحد . وأجيب بأنّ اللّه - تعالى - لم يحلّ التصريح بالخطبة في النكاح للمعتدّة ، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح ، فهذه يدلّ على أنّ التعريض يفهم منه القذف « 3 » والأعراض يجب صيانتها ، وذلك يوحب الحدّ على المعرّض ؛ لئلا يتعرض الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح . فصل في المقصود من الآية والمقصود من الآية أنّه لا حرج في التعريض للمرأة في عدّة الوفاة ، ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها . فإن قيل : إنّ التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل بقلبه إليها ، ولا يذكر باللّسان شيئا ، فلمّا قدّم جواز التعريض بالخطبة ، كان قوله بعد ذلك « أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ » جار مجرى إيضاح الواضحات . فالجواب : ليس المراد ما ذكرتم ، بل المراد أنّه أباح التعريض ، وحرّم التصريح في الحال ، ثم قال : « أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ » والمراد : أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل ، ففي أوّل الآية أباح التعريض في الحال ، وحرّم التصريح في الحال ، وها هنا أباح له أن يعقد عليه على أنّه سيصرّح بذلك بعد انقضاء العدّة ، ثم إنّه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك ، فقال : « علم أنّكم ستذكرونهنّ » لأنّ شهوة النفس إذا حصلت للنكاح ، لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم ، والتّمنّي ، فلمّا كان دفع هذا

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 125 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : النكاح .