عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
164
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « بالمعروف » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه متعلق بتراضوا ، أي : تراضوا بما يحسن من الدّين والمروءة . والثاني : أن يتعلّق ب « ينكحن » فيكون « ينكحن » ناصبا للظرف ، وهو « إذا » ؛ ولهذا الجارّ أيضا . والثالث : أن يتعلّق بمحذوف على أنّه حال من فاعل تراضوا . والرابع : أنه نعت مصدر محذوف ، دلّ عليه الفعل ، أي : تراضيا كائنا بالمعروف . فصل : [ تمسّك بهذه الآية من يشترط الولي في النكاح بناء على أن الخطاب في هذه الآية للأولياء ] تمسّك بهذه الآية من يشترط الوليّ في النكاح ؛ بناء على أنّ الخطاب في هذه الآية للأولياء ، قال : لأنّ المرأة لو كانت تزوّج نفسها ، أو توكّل من يزوّجها ، ما كان الوليّ قادرا على عضلها من النّكاح ، ولو لم يكن قادرا على العضل لما نهاه اللّه عن العضل وقد تقدم ما فيه من البحث ، وإن سلم ، فلم لا يجوز أن يكون المراد بالنّهي عن العضل أن يخليها ورأيها في ذلك ؛ لأنّ الغالب في الأيامى أن يرجعن إلى رأي الأولياء ، في باب النكاح ، وإن كان الاستئذان الشرعي حاصلا لهن ، وأن يكنّ تحت رأيهم ، وتدبيرهم ، وحينئذ يكونون متمكّنين من منعهنّ ؛ لتمكنهم من تخليتهن ، فيكون النّهي محمولا على هذا الوجه ، وهذا منقول عن ابن عبّاس ، في تفسير هذه الآية « 1 » . وأيضا فثبوت العضل في حقّ الولي ممتنع ؛ لأنه متى عضل القريب فلا يبقى لعضله أثر . وتمسّك أبو حنيفة بقوله تعالى : « أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ » على أنّ النكاح بغير وليّ جائز ، قال : لأنه أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله ، ونهى الوليّ عن منعها منه ، قال : ويتأكّد هذا بقوله تعالى : « حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ » ، وبقوله : « فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » ، وتزويجها نفسها من الكفء ، فعل بالمعروف ؛ فوجب أن يصحّ . وقوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [ الأحزاب : 50 ] دليل واضح مع أنّه لم يحضر هناك ولي البتّة . وأجاب الأولون : بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر ، قد يضاف إلى المتسبّب ، يقال : بنى الأمير دارا ، وضرب دينارا ، وإن كان مجازا ، إلّا أنّه يجب المصير إليه ؛ لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النّكاح .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 97 .