عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
165
اللباب في علوم الكتاب
فصل في اختلاف البلوغين قال الشّافعيّ - رحمه اللّه - دلّ سياق الكلامين - أي في الآيتين - على افتراق البلوغين ، ومعناه أنّه تعالى قال في الآية الأولى : « فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » ولو كانت عدّتها قد انقضت ، لما قال : « فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » لأن إمساكها بعد العدّة لا يجوز وتكون مسرّحة ، فلا حاجة إلى تسريحها ، وأما هذه الآية ، فإنه نهى عن عضلهن عن التّزويج ، وهذا النّهي إنّما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوّج فيه ، وذلك إنّما يكون بعد انقضاء العدّة ، فهذا هو المراد من قول الشافعي « دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين » . فصل في معنى التراضي بالمعروف في التّراضي بالمعروف ، وجهان : أحدهما : ما وافق الشّرع من عقد حلال ، ومهر جائز ، وشهود عدول . الثاني : هو ما يضادّ قوله : « وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا » فيكون معناه : أن يرضى كلّ واحد منهما بما لزمه بحق هذا العقد لصاحبه ؛ حتى تحصل الصّحبة الجميلة ، وتدوم الألفة . قال بعضهم : التراضي بالمعروف ، هو مهر المثل ، وفرّعوا عليه مسألة فقهية ، وهي أنها إذا زوّجت نفسها بأنقص من مهر مثلها ، نقصانا فاحشا ، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة ، وللولي أن يعترض عليها بسبب ذلك النّقصان . وقال أبو يوسف ومحمّد ليس للوليّ ذلك . قوله : « ذلك » مبتدأ و « يوعظ » وما بعده خبره . والمخاطب قيل : إمّا الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو كلّ سامع ، ولذلك جيء بالكاف الدالّة على الواحد ، وقيل : للجماعة ، وهو الظّاهر ، فيكون « ذلك » بمعنى : « ذلكم » ، ولذلك قال بعده : « منكم » وهو جائز في اللّغة ، والتّثنية والجمع أيضا جائز ، قال تعالى : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [ يوسف : 37 ] وقال : فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [ يوسف : 32 ] وقال : ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ [ الطلاق : 2 ] وقال : أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [ الأعراف : 22 ] وإنّما وحّد الخطاب وهو للأولياء ؛ لأن الأصل في مخاطبة الجمع « لكم » ثم كثر حتّى توهّموا أن « الكاف » من نفس الحرف ، وليست بكاف خطاب ؛ فقالوا ذلك ، فإذا قالوا هذا ، كانت الكاف موحّدة منصوبة في الاثنين ، والجمع ، والمؤنّث ، و « من كان » في محلّ رفع ؛ لقيامه مقام الفاعل . وفي « كان » اسمها ، يعود على « من » و « يؤمن » في محلّ نصب ، خبرا ل « كان » و « منكم » : إمّا متعلّق بكان عند من يرى أنها تعمل في الظّرف وشبهه ، وإمّا بمحذوف على أنه حال من فاعل يؤمن . فإن قيل : لم أتى باسم الإشارة