عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
121
اللباب في علوم الكتاب
من ذوات الأقراء أن تطول عدّتها لكي يراجعها الزّوج ، وقد تحبّ تقصير عدّتها لتبطل رجعته ولا يتمّ لها ذلك إلّا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات ، فوجب حمل النّهي على مجموع الأمرين . وقال ابن عبّاس وقتادة : هو الحيض « 1 » فقط ؛ لقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ [ آل عمران : 6 ] ، ولأن الحيض خارج عن الرّحم لا مخلوق فيه ، وحمل قوله - تعالى - : « ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ » على الولد الذي هو شريف ، أولى من حمله على شيء قذر خسيس . وأجيب بأن المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال الّتي لا اطّلاع لغيرها عليها ، وبسببها يختلف الحلّ والحرمة في النّكاح ، فوجب حمل اللّفظ على الكلّ ، وقيل : هو الحيض ؛ لأن هذا الكلام إنّما ورد عقيب ذكر « الأقراء » ، ولم يتقدّم ذكر الحمل . وأجيب : بأنّ هذا كلام مستأنف مستقلّ بنفسه ، من غير أن يردّ إلى ما تقدّم ، فوجب حمله على كلّ ما يخلق في الرّحم . وقوله : « إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » ليس المراد : أن ذلك النّهي مشروطا بكونها مؤمنة ، بل هذا كقول المظلوم للظّالم : « إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي » ، وهذا تهديد شديد في حقّ النّساء ؛ فهو كقوله في الشّهادة : « وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : 283 ] ، وقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [ البقرة : 283 ] . قوله تعالى : « وَبُعُولَتُهُنَّ » الجمهور على رفع تاء « بعولتهنّ » وسكّنها « 2 » مسلمة بن محارب « 3 » ، وذلك لتوالي الحركات ، فخفّف ، ونظيره قراءة « 4 » : وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [ الزخرف : 80 ] بسكون اللام حكاها أبو زيد ، وحكى أبو عمرو : أنّ لغة تميم تسكين المرفوع من « يعلّمهم » ونحوه ، وقيل : أجرى ذلك مجرى « عضد ، وعجز » ؛ تشبيها للمنفصل بالمتصل ، وقد تقدّم ذلك . و « أحقّ » خبر عن « بعولتهنّ » وهو بمعنى حقيقون ؛ إذ لا معنى للتفضيل هنا ؛ فإنّ غير الأزواج لا حقّ لهم فيهنّ البتّة ، ولا حقّ أيضا للنّساء في ذلك ، حتى لو أبت هي الرّجعة ، لم يعتدّ بذلك . وقال بعضهم : هي على بابها ؛ لأنه تعالى قال : « وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 516 - 517 ) عن مجاهد وابن عمر بمعناه . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 492 ) وعزاه لسعيد بن منصور والبيهقي عن عكرمة . ( 2 ) انظر الشواذ 14 ، والبحر المحيط 2 / 199 . ( 3 ) مسلمة بن محارب بن دثار ينظر غاية النهاية 2 / 298 . ( 4 ) ستأتي في الزخرف 80 .