عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
106
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ قال أبو حنيفة والثوري : إنه لا يكون مؤليا حتى يحلف ألّا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد ] قال أبو حنيفة والثّوري : إنه لا يكون مؤليا حتى يحلف ألّا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد . وقال الشّافعيّ وأحمد ومالك : لا يكون مؤليا حتّى تزيد المدّة على أربعة أشهر . وفائدة الخلاف : أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة أشهر ، وهذا المدّة تكون حقّا للزّوج ، فإذا مضت تطالب المرأة الزّوج بالفيئة أو بالطّلاق فإن امتنع الزّوج منهما ، طلّقها الحاكم عليه ، وعند أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر ، يقع الطّلاق . حجة الشّافعي وجوه : الأول : أنّ « الفاء » في قوله « فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ، « وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » يقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخيا على انقضاء الأربعة أشهر . قال ابن الخطيب « 1 » لما ذكر قول الزّمخشريّ المتقدّم على سبيل الإيراد : وهذا ضعيف ، لأن قوله : « لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ » إشارة إلى حكمين : أحدهما : صدور الإيلاء عنهم . والثاني : وجوب تربّص هذه المدّة على النّساء . والفاء في قوله : « فَإِنْ فاؤُ » ورد عقيب ذكرهما معا ، فلا بدّ وأن يكون هذا الحكم مشروعا عقيب الأمرين : عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التّربّص في هذه المدّة ، بخلاف المثال الّذي ذكره ، وهو قوله : « أنا أنزل عندكم ؛ فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحّلت » ؛ لأن هناك « الفاء » صارت مذكورة عقيب شيء واحد ، وهو النّزول ، وهي هنا مذكورة عقيب ذكر الإيلاء ، وذكر التّربّص ، فلا بدّ وأن يكون ما دخلت « الفاء » عليه واقعا بين هذين الأمرين . الحجة الثّانية : قوله : « وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ » صريح في أنّ وقوع الطّلاق ، إنّما يكون بإيقاع الزّوج . وعند أبي حنيفة : يقع الطّلاق بمضيّ المدّة ، لا بإيقاع الزّوج . فإن قيل : الإيلاء طلاق في نفسه ؛ فالمراد من قوله : « وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ » الإيلاء المتقدّم . فالجواب : هذا بعيد ؛ لأن قوله : « وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ » لا بدّ وأن يكون معناه : « وإن عزموا الّذين يؤلون من نسائهم الطّلاق » فجعل المؤلي عازما ، وهذا يقتضي أن يكون
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 72 .