عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
107
اللباب في علوم الكتاب
الإيلاء والعزم قد اجتمعا ، وأما الطّلاق فهو متعلّق العزم ، ومتعلّق العزم متأخر عن العزم ؛ فإذن الطّلاق متأخّر عن العزم لا محالة ، والإيلاء إمّا أن يكون مقارنا للعزم أو متقدّما عليه ، وهذا يفيد أن الطّلاق مغاير لذلك الإيلاء . الحجة الثّالثة : قوله تعالى : « وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » يقتضي أن يصدر من الزّوج شيء يكون مسموعا وما ذاك إلّا أن نقول تقديره : « وإن عزموا الطّلاق وطلّقوا فاللّه سميع لكلامهم ، عليم بما في قلوبهم » . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد إن اللّه سميع لذلك الإيلاء . فالجواب : أنّ هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء ، بل إنّما حصل عن شيء حصل بعد الإيلاء ، فلا بدّ وأن يصدر عن الزّوج بعد ذلك الإيلاء ، وهو كلام غيره ؛ حتى يكون قوله : « فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » تهديدا عليه . الحجة الرّابعة : قوله : « فَإِنْ فاؤُ » ، « وَإِنْ عَزَمُوا » ظاهره التّخيير بين الأمرين ؛ وذلك يقتضي أن يكون ثبوتهما واحدا ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك . الحجة الخامسة : أنّ الإيلاء في نفسه ليس بطلاق ، بل هو حلف على الامتناع عن الجماع مدّة مخصوصة ، إلّا أنّ الشّرع ضرب لذلك مقدارا معلوما من الزّمان ؛ وذلك لأنّ الرّجل قد يترك جماع المرأة مدّة من الزّمان لا بسبب المضارّة ، وهذا إنّما يكون إذا كان الزّمان قصيرا ، فأمّا ترك الجماع زمانا طويلا ، فلا يكون إلّا عند قصد المضارّة ، ولما كان الطّول والقصر في هذا الباب أمرا غير مضبوط ، قدّر له الشّارع حدّا فاصلا بين القصير والطّويل ، وذلك لا يوجب وقوع الطّلاق ، بل اللائق بحكم الشّرع عند ظهور قصد المضارّة ، أن يأمر بترك المضارّة ، أو بتخليصها من قيد الإيلاء ، وهذا المعنى معتبر في الشّرع ؛ كضرب الأجل في مدّة العنين « 1 » وغيره . حجة أبي حنيفة - رضي اللّه عنه - : قراءة عبد اللّه بن مسعود : « فإن فاءوا فيهنّ » . والجواب : أنّ القراءة الشّاذّة مردودة ؛ لأن القرآن لا يثبت كونه قرآنا إلّا بالتّواتر ؛
--> ( 1 ) ( العنّين ) بكسر العين والنون المشدّدة ، وهو العاجز عن الوطء . وربّما اشتهاه ، ولا يمكنه . مشتقّ من عنّ الشّيء إذا اعترض لأنّ ذكره يعنّ أي يعترض عن يمين الفرج وشماله . وقيل من عنان الدّابّة للينه . قالوا : يقال : عنّ يعنّ ويعنّ عنّا وعنونا . واعتنّ اعترض ، قال ابن الأعرابي : جمع العنّين والمعنون عنن . قال : يقال : عنّ الرّجل ، وعنّن ، وعنن ، واعتنّ ، فهو عنّين ، معنون ، معنّ معنّن . قال صاحب المحكم : هو عنّين بين العنانة والعنّينة ، والعنّينيّة . قال أبو عبيد : امرأة عنينة وهي التي لا تريد الرجال ، وأما ما يقع في كتب أصحابنا من قولهم : العنّة يريدون التعنين فليس بمعروف في اللغة ، وإنما العنّة الحظيرة من الخشب تجعل للإبل والغنم تحبس فيها . ينظر تحرير التنبيه ص 283 ، 284 ، المحكم 1 / 48 .