عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
96
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : « فَلا جُناحَ عَلَيْهِ » الظاهر : أنّ « عليه » خبر « لا » ، و « أن يطّوّف » : أصله [ « في أن يطّوّف » ] ، فحذف حرف الجرّ ، فيجيء في محلّها القولان النصب ، أو الجرّ ، والوقف في هذا الوجه على قوله « بهما » ، وأجازوا بعد ذلك أوجها ضعيفة : منها : أن يكون الكلام قد تمّ عند قوله : « فَلا جُناحَ » ؛ على أن يكون خبر « لا » محذوفا ، وقدّره أبو البقاء « 1 » « فلا جناح في الحج » ، ويبتدأ بقوله « عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ » فيكون « عليه » خبرا مقدما وأن يطوف في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء ؛ فإنّ الطواف واجب . قال أبو البقاء « 2 » - رحمه اللّه - : والجيد أن يكون « عليه » في هذا الوجه خبرا ، و « أن يطّوّف » مبتدأ . ومنها : « أن يكون « عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ » من باب الإغراء ؛ فيكون « أن يطّوّف » في محلّ النصب ؛ كقولك : « عليك زيدا » أي : « الزمه » ، إلّا أنّ إغرار الغائب ضعيف ، حكى سيبويه « 3 » : « عليه رجلا ليسني » قال : وهو شاذّ . ومنها : أنّ « أن يطّوّف » في محلّ رفع خبرا ثانيا ل « لا » ، [ والتقدير : فلا جناح عليه في الطّواف بهما . ومنها : « أن يطّوّف » : في محلّ نصب على الحال من الهاء في « عليه » ، والعامل في الحال العامل في الخبر ] « 4 » . والتقدير : « فلا جناح عليه في حال طوافه بهما » ، وهذان القولان ساقطان ذكرتهما تنبيها على غلطهما . وقراءة الجمهور : « أنّ يطّوّف » بغير « لا » ، وقرأ « 5 » أنس ، وابن عباس - رضي اللّه عنهما - وابن سيرين ، وشهر بن حوشب : « أن لا يطّوّف » ، قالوا : وكذلك في مصحفي أبيّ ، وعبد اللّه ، وفي هذه القراءة احتمالان : أحدهما : أنها زائدة ؛ كهي في قوله : أَلَّا تَسْجُدَ [ الأعراف : 12 ] ، وقوله : [ الرجز ] 859 - وما ألوم البيض ألّا تسخرا * لمّا رأين الشّمط القفندرا « 6 » وحينئذ يتّحد معنى القراءتين . والثّاني : أنّها غير زائدة . بمعنى : أنّ رفع الجناح في فعل الشيء ، هو رفع في تركه ؛ إذ هو تمييز بين الفعل والتّرك ؛ نحو : « فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » فتكون قراءة الجمهور فيها رفع الجناح في فعل الطّواف نصّا ، وفي هذه رفع الجناح في التّرك نصّا .
--> ( 1 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 70 . ( 2 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 70 . ( 3 ) ينظر الكتاب لسيبويه : 1 / 126 . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) ينظر الدر المصون : 1 / 415 ، المحرر الوجيز : 1 / 229 ، والبحر المحيط : 1 / 631 . ( 6 ) تقدم برقم 86 .