عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
90
اللباب في علوم الكتاب
من أن يقال : وإن تعدّوا نعم اللّه لا تحصوها ، وقوله سبحانه وتعالى : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [ البقرة : 201 ] أتمّ معنى من قوله : حسنات ، وقوله : بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [ آل عمران : 174 ] ، أتمّ معنى من قوله : بنعم . ونظائره كثيرة . وأما الصّلوات فالمراد بها درجات الثّواب ، وهي إنما تحصل شيئا بعد شيء ، فكأنه دلّ على الصّفة المقصودة . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) في تعلّق هذه الآية بما قبلها وجوه . أحدها : أنّه سبحانه وتعالى بيّن أنّه إنّما حوّل القبلة إلى الكعبة ؛ ليتمّ إنعامه على محمّد [ صلوات البرّ الرّحيم وسلامه عليه ] وأمّته بإحياء شريعة إبراهيم - عليه الصّلاة والسلام - لقوله تعالى : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [ البقرة : 150 ] ، وكان السّعي بين الصّفا والمروة من شريعة إبراهيم [ عليه الصّلاة والسّلام ] فذكر هذا الحكم عقب تلك الآية . وقيل : إنّه تبارك وتعالى [ لمّا ] أمر بالذّكر مطلقا في قوله تعالى : « فاذكروني » بيّن الأحوال الّتي يذكر فيها وإحداها الذّكر مطلقا . والثّانية : الذكر في حال النّعمة ، وهو المراد بقوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي [ البقرة : 152 ] . الثالثة : الذّكر في حال الضّرّاء ، فقال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ إلى قوله تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 155 ] ثم بيّن في هذه الآية المواضع الّتي يذكر فيها ، ومن جملتها عند الصّفا والمروة ، وبقيّة المشاعر . وثانيها : أنّه لمّا قال سبحانه : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ الآية ] إلى قوله سبحانه : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، ثم قال [ عزّ وجلّ ] : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ » ، وإنما جعلها كذلك ، لأنّها من أثار « هاجر ، وإسماعيل » ، وما جرى [ عليهما ] « 1 » من البلوى ويستدلّ بذلك على أنّ من صبر على البلوى ، لا بدّ وأن يصل إلى أعظم الدّرجات . وثالثها : أنّ [ أقسام ] « 2 » التّكليف ثلاثة : أحدها : ما يحكم العاقل [ بحسنه ] « 3 » في أوّل الأمر ، فذكره أوّلا ، وهو قوله تعالى : « اذكروني أذكركم ، وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ » ؛ فإنّ كلّ عاقل يعلم أنّ ذكر المنعم بالمدح ، والشّكر ، أمر مستحسن في العقل .
--> ( 1 ) في ب : بينهما . ( 2 ) بياض في ب . ( 3 ) سقط في ب .