عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
91
اللباب في علوم الكتاب
وثانيها : ما يحكم العقل [ بقبحه ] « 1 » في أوّل الأمر ، إلّا أنّه لمّا ورد الشّرع به ، وبيّن الحكمة فيه ، [ وهي ] « 2 » الابتلاء ، والامتحان ؛ على ما قال تعالى : « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ » ، فحينئذ يعتقد المسلم حسنه ، وكونه حكمة وصوابا . [ وثالثها ] : ما لا يهتدي العقل إلى حسنه ، ولا إلى [ قبحه ] ، بل [ يراها ] كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرّة ، وهو مثل أفعال الحجّ من السّعي بين الصّفا والمروة ، فذكر اللّه تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأوّلين ؛ ليكون قد نبّه على جميع أقسام التكاليف . قوله [ تعالى ] : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ » : [ الصّفا : ] اسم « إنّ » ، و « من شعائر اللّه » خبرها . قال أبو البقاء « 3 » - رحمه اللّه تعالى - : وفي الكلام حذف مضاف ، تقديره « طواف الصّفا ، أو سعي الصّفا » . وألف « الصّفا » [ منقلبة ] عن واو ؛ بدليل قلبها في التثنية واوا ؛ قالوا : صفوان ؛ والاشتقاق يدلّ عليه أيضا ؛ لأنّه من الصّفو ، وهو الخلوص ، [ والصّفا : الحجر الأملس ] . وقال القرطبيّ « 4 » : « والصّفا مقصور » جمع صفاة ، وهي الحجارة الملس . وقيل : الصّفا اسم مفرد ؛ وجمعه « صفيّ » - بضمّ الصاد - [ وأصفاء ] ؛ على [ وزن ] « 5 » أرجاء . قال [ الرّاجز ] : [ الرجز ] 850 - كأنّ متنيه من النّفيّ * مواقع الطّير على الصّفيّ « 6 » وقيل : من شروط الصّفا : البياض والصّلابة ، واشتقاقه من : « صفا يصفو » ، أي : [ أخلص من ] التّراب والطّين ، والصّفا : الحجر الأملس . وفي كتاب الخليل « 7 » : الصّفا : الحجر الضّخم الصّلب الأملس ، وإذا [ نعتوا ] الصّخرة ، قالوا : صفاة صفواء ، وإذا ذكّروا ، قالوا : « صفا صفوان » ، فجعلوا الصّفا [ والصّفاة ] كأنّهما في معنى واحد . قال المبرّد « 8 » : « الصّفا » : كلّ حجر أملس لا يخالطه غيره ؛ من طين أو تراب ،
--> ( 1 ) في ب : بصحته . ( 2 ) في ب : وهو . ( 3 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 70 . ( 4 ) ينظر تفسير القرطبي : 2 / 121 . ( 5 ) في ب : وزن . ( 6 ) البيت للأخيل . ينظر : اللسان ( صفا ) ، القرطبي : 2 / 121 ، الرازي : 4 / 143 ، وصوابه : « متنيّ » بدلا من « متنيه » ، كما أنشده ابن دريد هكذا ؛ لأن بعده : من طول إشرافي على الطّويّ . ( 7 ) ينظر تفسير الرازي : 4 / 143 . ( 8 ) ينظر تفسير الرازي : 4 / 143 .