عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

75

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 152 ] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) اعلم أن اللّه - تعالى - كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والشكر . أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح . فذكر اللسان الحمد ، والتسبيح ، والتمجيد ، وقراءة كتابه . وذكر القلب التفكّر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ، والتفكر في الجواب على الشبهة العارضة في تلك الدلائل ، والتفكّر في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا كيفية التّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم ، والتفكر في أسرار مخلوقاته . وأما الذكر بالجوارح ، فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا سمى اللّه الصلاة ذكرا ، بقوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] فقوله : « اذكروني » يتضمن جميع الطاعات ، ولهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي « 1 » فأجمله حتى يدخل الكل فيه . فصل في ورود الذكر في القرآن الذكر ورد على ثمانية أوجه : الأول : بمعنى الطاعة كهذه الآية أي : أطيعوني أغفر لكم . الثاني : العمل ، قال تعالى : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ [ البقرة : 63 ] أي : اعملوا بما فيه . الثالث : العظة ، قال تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ الذاريات : 55 ] أي : العظة ، ومثله فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ [ الأنعام : 44 ] أي : ما وعظوا به . الرابع : الشّرف قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] ومثله : بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ [ المؤمنون : 71 ] أي : بشرفهم ، وقوله : هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي [ الأنبياء : 24 ] أي : شرف . الخامس : القرآن قال تعالى : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] أي : القرآن ، ومثله : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [ الأنبياء : 50 ] . السادس : التوراة قال تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [ النحل : 43 ] أي : التوراة .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 211 ) عن سعيد بن جبير والأثر ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 273 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد .