عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

59

اللباب في علوم الكتاب

فأتى بالمشتغل عنه منصوبا ، وأما تمثيله بقوله : لزيد أبوه ضاربه ، فتركيب غير عربي . الثالث : أن « لكلّ وجهة » متعلق بقوله : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ، وإنما قدم على العامل للاهتمام به ، كما تقدم المفعول ، كما ذكره ابن عطية . ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن « لكل وجهة » في موضع المفعول الثاني ل « مولّيها » ، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو « مولّ » ، وهو « ها » ، وتكون عائدة على الطوائف ، ويكون التقدير : وكلّ وجهة اللّه مولّي الطوائف أصحاب القبلات ، وزيدت « اللام » في المفعول لتقدمه ، ويكون العامل فرعا ؛ لأن النحويين نصّوا على أنه لا يجوز زيادة « اللام » للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط ، و « مولّ » مما يتعدّى لاثنين ، فامتنع ذلك فيه ، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب عن الزمخشري فيما اعترض به أبو حيان عليه من كون الفعل إذا تعدى للظاهر ، فلا يتعدى لضميره ، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب « مول » ليس بضمير المفعول ، بل ضمير المصدر وهو التّولية ، ويكون المفعول الأول محذوفا والتقدير : اللّه مولي التولية كلّ وجهة أصحابها ، فلما قدم المفعول على العامل قوي ب « اللام » لولا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة . قوله تعالى : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » « الخيرات » منصوبة على إسقاط حرف الجر ، التقدير : إلى الخيرات ، كقول الراعي : [ الطويل ] 842 - ثنائي عليكم آل حرب ومن يمل * سواكم فإنّي مهتد غير مائل « 1 » أي : إلى سواكم ، وذلك لأن « استبق » : إما بمعنى سبق المجرد ، أو بمعنى : تسابق [ لا جائز أن يكون بمعنى : سبق ؛ لأن المعنى ليس على اسبقوا الخيرات ، فبقي أن يكون بمعنى : تسابق ] « 2 » ولا يتعدى بنفسه . و « الخيرات » جمع : خيرة ، وفيها احتمالان : أحدهما : أن تكون مخففة من « خيّرة » بالتشديد بوزن « فيعلة » نحو : ميت في ميّت . والثاني : أن تكون غير مخففة ، بل تثبت على « فعلة » بوزن « جفنة » ، يقال : رجل خير وامرأة خير ، وعلى كلا التقديرين فليسا للتفضيل . والسبق : الوصول إلى الشيء أولا ، وأصله التقدم في السير ، ثم تجوز به في كل ما تقدم .

--> - ( طها ) ، وجمهرة اللغة : ص 290 ، والأزهية : ص 114 ، وأمالي المرتضى : 2 / 57 ، وأوضح المسالك : 2 / 166 ، والرد على النحاة : ص 105 ، وشرح الأشموني : 1 / 190 ، والدر المصون : 1 / 406 . ( 1 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 612 ، الدر المصون : 1 / 407 . ( 2 ) سقط في أ .