عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
53
اللباب في علوم الكتاب
الجواب : لأن الذكور أعرف وأشهر ، وهم بصحبة الآباء ألزم ، وبقلوبهم ألصق . والضمير في « يعرفونه » يعود على القرآن الكريم . وقيل : على العلم . وقيل : على البيت الحرام . [ ويعود الضمير إلى النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم . وهو رأي الزمخشري ، واختاره الزّجاج وغيره ، وقال أبو حيان : هذا من باب الالتفات من الخطاب في قوله : « فَوَلِّ وَجْهَكَ » إلى الغيبة ] « 1 » . قوله : « كَما يَعْرِفُونَ » « الكاف » في محل نصب إما على كونها نعتا لمصدر محذوف أي : معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم ، أو في موضع نصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المعرفة المحذوف ، التقدير : يعرفونه معرفة مماثلة لعرفانهم ، وهذا مذهب سيبويه وتقدم تحقيق هذا . و « ما » مصدرية لأنه ينسبك منها ومما بعدها مصدر كما تقدم تحقيقه . قوله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 146 ] . اعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول ، فمنهم من آمن به مثل عبد اللّه بن سلام وأتباعه ، ومنهم من بقي على كفره ، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق ، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره ، لا جرم قال اللّه تعالى : « وَإِنَّ فَرِيقاً [ مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » فوصف البعض بذلك ، ودلّ بقوله ] « 2 » : « لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ » على سبيل الذّم ، على أنّ كتمان الحقّ في الدين محظور إذا أمكن إظهاره ، واختلفوا في المكتوم ، فقيل : أمر محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وقيل : أمر القبلة كما تقدم . قوله تعالى : « وَهُمْ يَعْلَمُونَ » جملة اسمية في محلّ نصب على الحال من فاعل « يكتمون » ، والأقرب فيها أن تكون حالا مؤكدة ؛ لأن لف ظ « يكتمون الحق » يدل على علمه ، إذ الكتم إخفاء ما يعلم وقيل : متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب ، أي : وهم يعلمون العقاب المرتب على كاتم الحق ، فتكون إذ ذاك حالا مبينة ، وهذا ظاهر في أن كفرهم كان عنادا ، ومثله : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] . قوله تعالى : « الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده ، وفي الألف واللام حينئذ وجهان : أحدهما : أن تكون للعهد ، والإشارة إلى الحق الذي عليه الرسول - عليه السلام - أو إلى الحق الذي في قوله : « يكتمون الحقّ » أي : هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن تكون للجنس على معنى الحق من اللّه لا من غيره .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : فبعض الوصف ودل قوله .